من حقول القطن إلى عرش المعرفة.. أوزبكستان تعيد للمعلم مكانته

أشرف أبو عريف
تحتفل أوزبكستان في الأول من أكتوبر من كل عام بيوم المعلمين والمرشدين، في مناسبة تحولت من مجرد عيد مهني إلى عنوان أوسع لمسار إصلاحي يستهدف إعادة بناء مكانة المعلم اجتماعيًا ومهنيًا وقانونيًا، باعتباره أحد أهم مفاتيح تطوير التعليم وصناعة مستقبل البلاد. وقد أُقر الأول من أكتوبر مناسبة وطنية للمعلمين والمرشدين منذ عام 1996، وبدأ الاحتفال بها بهذا الشكل منذ 1997.
لكن قصة المعلم الأوزبكي لا تتوقف عند الاحتفال. فخلف الورود التي تزين المناسبة اليوم، تقف تحولات عميقة في طبيعة العمل التربوي نفسه.
فلسنوات طويلة، تزامنت بداية العام الدراسي مع موسم جني القطن، وكان المعلمون والطلاب يُستدعون إلى الحقول لأداء أعمال لا تمت بصلة مباشرة إلى رسالتهم التعليمية. أما اليوم، فتؤكد التجربة الأوزبكية أن المعلم ينبغي أن يبقى داخل المدرسة، لا في الحقول؛ وبين الكتب، لا في الأعمال المفروضة خارج مهنته.
وقد أصبحت حماية المعلمين من الأعمال غير المرتبطة بوظائفهم جزءًا من الإطار القانوني الجديد. وينص قانون «وضع المعلم» الصادر في الأول من فبراير 2024 على ضمانات لحقوق المعلمين ونشاطهم المهني، ويحظر إشراكهم في أعمال لا تتصل بواجباتهم المهنية، كما يضع قيودًا على الأعباء الإدارية والتقارير والتفتيش غير المبرر.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر في ضوء الدستور الأوزبكي الجديد، الذي ينص صراحة على أن عمل المعلم يمثل أساسًا لتطور المجتمع والدولة، وأن الدولة تحمي كرامة المعلمين وحقوقهم الاجتماعية والمادية وتطورهم المهني.
المعلم أولًا.. ثم تأتي المدرسة
لا تقتصر عملية رفع مكانة المعلم على الحماية القانونية، بل تمتد إلى تحسين ظروف العمل والحوافز المالية والاجتماعية.
فالإصلاحات التعليمية الأوزبكية تتجه إلى تقليل الأعمال الورقية التي لا تخدم العملية التعليمية، وتوسيع الحوافز المرتبطة بالكفاءة والنتائج المهنية، فضلًا عن توفير مزايا إضافية للمعلمين الذين يعملون في المناطق النائية أو المدارس ذات الأداء التعليمي المنخفض.
كما شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في فرص التدريب والتطوير المهني، بما في ذلك الاستفادة من الخبرات الدولية، وهو ما يعكس تحولًا في النظرة إلى المعلم من مجرد ناقل للمعلومة إلى صانع للمعرفة وباني لشخصية الأجيال الجديدة.
من التكريم الرمزي إلى التقدير المادي
ومن أبرز مظاهر هذا التحول إطلاق مسابقة وطنية جديدة لاختيار «معلم العام».
وشارك في المسابقة أكثر من 46 ألف معلم من مختلف أنحاء البلاد، بينما حصل 208 معلمين على لقب الفائزين، بواقع معلم متميز عن كل منطقة ومدينة، مع جوائز مالية تبلغ 1400 ضعف قيمة وحدة الحساب الأساسية. وتؤكد البيانات الرسمية أن هذه المسابقة ستقام دوريًا كل عامين اعتبارًا من 2026.
وهنا تتجاوز الجائزة قيمتها المالية؛ فهي تحمل رسالة واضحة مفادها أن التميز في التعليم يمكن أن يصبح مصدرًا للمكانة والتقدير والمكافأة، وليس مجرد واجب وظيفي صامت.
المعلم وحقوقه.. دولة تضع الحماية في القانون
وتشير البيانات الرسمية إلى أن حماية حقوق المعلمين أصبحت جزءًا من آليات المتابعة الحكومية. ووفق المادة الرسمية التي تستعرض إصلاحات وضع المعلمين، شهد النصف الأول من عام 2026 منع آلاف الحالات المرتبطة بانتهاكات حقوقهم، في مؤشر على أن الانتقال من النصوص القانونية إلى الممارسة اليومية ما زال عملية مستمرة.
وهذا يعني أن إصلاح التعليم لا يُقاس فقط بعدد المدارس أو المناهج الجديدة أو الأجهزة الحديثة، وإنما أيضًا بالسؤال الأكثر جوهرية:
هل يشعر المعلم أن الدولة تحميه، وتثق به، وتمنحه الوقت والكرامة والموارد اللازمة لأداء رسالته؟
أوزبكستان تحاول الإجابة عن هذا السؤال عبر حزمة متكاملة من التشريعات والحوافز والحماية المهنية.
«الأستاذ أعظم من أبيه».. عودة إلى الجذور
ولعل أجمل ما في التجربة الأوزبكية أن رفع مكانة المعلم لا يُقدَّم بوصفه فكرة مستوردة من الخارج، بل باعتباره عودة إلى قيمة متجذرة في الذاكرة الثقافية للمجتمع.
فالمثل الأوزبكي يقول: «المعلم عظيم كالأب»، وهي عبارة تختصر مكانة الأستاذ في الوجدان الشعبي.
ومن هذا المنظور، تبدو الإصلاحات الراهنة وكأنها محاولة لإعادة وصل الحاضر بجذور قديمة: أن المعرفة ليست سلعة، وأن التعليم ليس وظيفة عابرة، وأن المعلم ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل، بل صاحب رسالة تصوغ الإنسان قبل أن تصوغ الاقتصاد.
فالدولة التي تريد اقتصادًا أكثر تنافسية تحتاج إلى مدارس أفضل، والمدارس الأفضل تحتاج إلى معلمين أكثر تأهيلًا واستقرارًا، والمعلم لا يستطيع أن يمنح الأجيال أفضل ما لديه ما لم يشعر بأن كرامته المهنية مصانة، ووقته محترم، وجهده مقدَّر.
وهكذا، تتحول قصة الأول من أكتوبر في أوزبكستان من مجرد مناسبة للاحتفال بالمعلمين إلى مرآة لإصلاح أوسع: إصلاح يبدأ من الإنسان الذي يحمل الكتاب، ويقود في النهاية إلى بناء الإنسان الذي يحمل مستقبل الوطن.
من حقول القطن إلى عرش المعرفة، تبدو الرسالة الأوزبكية واضحة: لا نهضة تعليمية بلا معلم مكرَّم، ولا مستقبل مستدام بلا مدرسة يحرسها العلم ويقودها أهلها.



