
بقلم؛ أحمد عبده طرابيك
باحث في الشؤون الآسيوية
تحتفل جمهورية أذربيجان في 27 سبتمبر بالذكرى السادسة لبداية حرب تحرير قراباغ، التي أصبح يومها عيدًا وطنيًا وفق مرسوم رئيس أذربيجان إلهام علييف الصادر في 2 ديسمبر 2020، باعتبار هذا اليوم من كل عام يومًا للاحتفاء بالشهداء والحداد الوطني. وقد استطاع الجيش الأذربيجاني تحقيق انتصارات عسكرية وتحرير إقليم قراباغ والمناطق الأخرى التي كانت تحت السيطرة الأرمنية، بعد نزاع واحتلال استمر سبعة وعشرين عامًا. وتمكنت القوات المسلحة الأذربيجانية من خوض ما عُرف باسم «القبضة الحديدية»، وتحقيق انتصارات عسكرية حظيت باهتمام واسع في الأوساط السياسية والعسكرية والإعلامية والبحثية، وانتهت الحرب بطلب أرمينيا وقف إطلاق النار والانسحاب من الأراضي التي كانت تحت سيطرتها.
شكلت حرب قراباغ الثانية عام 2020 نقطة تحول رئيسية في الصراع الممتد بين أذربيجان وأرمينيا حول قراباغ، وأعادت رسم الخريطة السياسية والأمنية للمنطقة. فقد جاءت الحرب في سياق جمود طويل في مسار التسوية السياسية. وبعد تعثر الجهود السلمية لحل الصراع، بدأت أذربيجان، في 27 سبتمبر 2020، عمليات عسكرية واسعة على طول خط التماس، وسرعان ما تحولت إلى حرب شاملة استخدمت فيها القوات الأذربيجانية وسائل عسكرية حديثة، من بينها الطائرات المسيرة، إلى جانب العمليات البرية. وخلال الأسابيع التالية، أعلنت باكو استعادة عدد كبير من البلدات والمناطق، وكان أبرز التحولات العسكرية والسياسية السيطرة على مدينة شوشا الاستراتيجية في 8 نوفمبر. وفي 10 نوفمبر، أعلن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين بيانًا مشتركًا لوقف إطلاق النار.
وأعاد يوم النصر رسم العلاقة من جديد بين أذربيجان وأرمينيا، بعد فترة طويلة من العداء والصراع السياسي والتاريخي التي تعود إلى أواخر الحقبة السوفيتية. ومع تفكك الاتحاد السوفيتي، تطور النزاع إلى حرب واسعة بين أذربيجان وأرمينيا. وانتهت الحرب المعروفة باسم حرب قراباغ الأولى عام 1994 بسيطرة القوات الأرمينية على قراباغ وسبعة أقاليم أذربيجانية محيطة به. وعلى مدى العقود التالية، بقيت قضية الوضع النهائي لقراباغ دون تسوية، رغم جهود الوساطة الدولية، ولا سيما من خلال مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
وشكلت حرب قراباغ عام 2020، من وجهة النظر الأذربيجانية، تصحيحًا لأوضاع قانونية وشرعية وإنسانية استمرت لسنوات. فقد جاءت الحرب، وفق الرؤية الأذربيجانية، في إطار تنفيذ متطلبات القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن الدولي أرقام 822 و853 و874 و884، التي دعت إلى احترام سيادة أذربيجان وسلامة أراضيها وانسحاب القوات من المناطق المتنازع عليها. ويرى الجانب الأذربيجاني أن المجتمع الدولي لم يمارس الضغوط الكافية لتنفيذ تلك القرارات. فمنذ عام 1992، جرت مفاوضات بين أرمينيا وأذربيجان من أجل الوصول إلى تسوية للصراع، لكنها لم تؤدِّ إلى حل نهائي. وفي عام 1994، اضطلعت مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، برئاسة مشتركة من الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، بدور الوساطة، لكنها أخفقت بدورها في التوصل إلى تسوية نهائية للقضية.
ويخلد التاريخ انتصارات أذربيجان في قراباغ، إذ لم يتقبل الشعب الأذربيجاني احتلال أراضيه، ولم يتصالح مع نتائج حرب قراباغ الأولى. ولذلك بدأت القيادة الأذربيجانية في الاستعداد لاستعادة الأراضي التي كانت تحت السيطرة الأرمنية، من خلال العمل على بناء جيش وطني قوي وتزويده بأحدث الأسلحة والمعدات العسكرية، وتدريب أفراده وفق أحدث الأساليب والاستعدادات العسكرية. كما جرى تعزيز اقتصاد البلاد ليكون داعمًا قويًا للجبهة الداخلية وقادرًا على توفير متطلبات القوات المسلحة.
وخاضت أذربيجان حربها التي وصفتها بأنها حرب كرامة وتحرير، بعد أن وجهت العديد من التحذيرات إلى أرمينيا، عبر عمليات عسكرية محدودة وناجحة جرت على فترات، كان من أبرزها عملية أبريل عام 2016. ومع استمرار تعثر التسوية السياسية، اندلعت الحرب الكبرى عام 2020. وشكلت انتصارات أذربيجان في قراباغ علامة فارقة في مسار الصراع، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة في منطقة القوقاز. وكل خطوة اتخذها الجيش الأذربيجاني في قراباغ، وكل قطرة دم سالت في سبيل الدفاع عن الوطن والكرامة الوطنية، بقيت حاضرة في الذاكرة الوطنية الأذربيجانية.
وبعد عملية سبتمبر 2023، المعروفة باسم عملية «مكافحة الإرهاب»، نفذت أذربيجان عملية عسكرية قصيرة أدت إلى إنهاء الإدارة الانفصالية القائمة في قراباغ، ثم بدأت مرحلة جديدة تركز على إعادة دمج المنطقة وإعادة الإعمار وعودة الحياة الاقتصادية والاجتماعية إليها. وأطلقت الحكومة الأذربيجانية مشاريع واسعة لإعادة بناء المدن والقرى والطرق والمطارات والبنية الأساسية، مع إعلان خطط لعودة السكان إلى المناطق التي أعيد إعمارها.
وأثبتت جمهورية أذربيجان، وفق رؤيتها الرسمية، قدرتها على حماية حدودها وصون سيادتها وكرامتها الوطنية، والوفاء بتعهداتها، والعمل على تحقيق التنمية لشعبها. وترى باكو أن الانتصار العسكري لم يكن غاية في حد ذاته، وإنما وسيلة لفتح الطريق أمام السلام، ولذلك شرعت أذربيجان في مسار تفاوضي مع أرمينيا بهدف الوصول إلى اتفاق سلام دائم، وتحويل منطقة القوقاز من حالة الحرب والاضطرابات إلى فضاء للسلام والاستقرار والتنمية.
وفي هذا السياق، برزت قضية ممر زانغيزور، الذي يُطرح بوصفه وسيلة لربط إقليم ناخيتشيفان الأذربيجاني المتمتع بالحكم الذاتي، والمنفصل جغرافيًا عن باقي أراضي أذربيجان، بالجزء الرئيسي من البلاد. ولا يُنظر إلى هذا الممر، في الرؤية الأذربيجانية، باعتباره مجرد وسيلة للربط بين أذربيجان وناخيتشيفان، وإنما باعتباره جزءًا من شبكة أوسع للتنمية والاتصال الإقليمي، يمكن أن تشمل خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز من أذربيجان ودول آسيا الوسطى إلى أوروبا عبر تركيا، إلى جانب خطوط السكك الحديدية والطرق البرية الدولية لنقل السلع والبضائع والركاب بين آسيا وأوروبا.
ومن ثم، تعتبر أذربيجان ذكرى «يوم النصر» مناسبة لدعوة دول المنطقة، وفي مقدمتها أرمينيا، إلى تحقيق السلام والتنمية والازدهار لشعوب القوقاز كافة.
وتكتسب آفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا أهمية خاصة في هذه المرحلة. فبعد انتهاء المرحلة العسكرية من الصراع، انتقل مركز الثقل تدريجيًا إلى ترسيم الحدود، وفتح طرق النقل والاتصال، ومعالجة القضايا الإنسانية، وإرساء علاقات بين دولتين مستقلتين على أساس الاعتراف المتبادل بالسيادة والسلامة الإقليمية. وفي هذا السياق، فإن مستقبل قراباغ لن يرتبط فقط بنتائج الحرب، وإنما أيضًا بقدرة المنطقة على التحول من ساحة للصراع إلى فضاء للتنمية والاتصال الإقليمي.
وتبرز أمام قراباغ في المستقبل فرص واعدة في مختلف المجالات، وخاصة السياحة والثقافة والزراعة والطاقة والنقل. وتعد منطقة القوقاز جسرًا مهمًا يربط بين آسيا وأوروبا، حيث تمثل آسيا مركزًا مهمًا لسلاسل التوريد ومصادر الطاقة، بينما تعد أوروبا سوقًا رئيسية للعديد من المنتجات القادمة من آسيا عبر القوقاز.
ومن ثم، فإن الذكرى السادسة ليوم النصر لا تستحضر فقط أحداث الملحمة العسكرية التي خاضتها أذربيجان على مدار 44 يومًا، بل تشير أيضًا إلى انتقال قراباغ، ومعها منطقة القوقاز ودولها، إلى مرحلة جديدة في تاريخها الحديث، عنوانها بناء السلام، وإعادة الإعمار، والتنمية المستدامة.



