رئيس التحريرسلايدر

بين التنين والنسر.. من مأدبة البيت الأبيض إلى مائدة التعايش

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

تعليقًا على ما نشرته وكالة شينخوا، بشأن زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، تبدو الصورة أكبر من مأدبة دولة أقيمت في البيت الأبيض، وأعمق من مراسم استقبال رسمية جمعت رئيسي أكبر قوتين متنافستين على الساحة الدولية.

فوراء المصافحات والابتسامات، وبين أضواء البيت الأبيض وموسيقى المأدبة، تقف أسئلة ثقيلة حول مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية، وحدود المنافسة بين بكين وواشنطن، وإمكانية الانتقال من منطق الصدام إلى منطق التعايش والتعاون وإدارة الخلافات.

وتكشف تصريحات شي جينبينغ وترمب، كما نقلتها شينخوا، عن محاولة واضحة لإعادة تعريف العلاقة بين البلدين على أساس جديد: التنافس دون مواجهة، والتعاون دون إلغاء الخلافات، والحوار دون التخلي عن المصالح الوطنية.

ومن هنا، لا تبدو مأدبة البيت الأبيض مجرد مشهد بروتوكولي، بل نافذة صغيرة تطل على معركة كبرى حول شكل النظام الدولي في السنوات المقبلة.

من كرة الطاولة إلى مائدة البيت الأبيض

استعاد شي جينبينغ في كلمته محطات من التاريخ المشترك بين الشعبين الصيني والأمريكي، بدءًا من العلاقات التجارية القديمة، مرورًا بتعاون البلدين خلال الحرب العالمية الثانية، ووصولًا إلى دبلوماسية كرة الطاولة التي فتحت الباب أمام استئناف التواصل السياسي بين بكين وواشنطن.

واللافت أن شي لم يستدعِ التاريخ لمجرد الاحتفال به، وإنما ليقول إن العلاقات بين الدول الكبرى لا تصنعها الأزمات وحدها، بل تصنعها أيضا اللحظات التي تختار فيها الشعوب فتح الأبواب بدلا من إغلاقها.

ومن كرة الطاولة التي حركت الكرة الكبيرة قبل أكثر من نصف قرن، إلى الباندا التي تحمل اليوم رمزية الصداقة، تبدو الدبلوماسية الصينية حريصة على تقديم العلاقة الأمريكية الصينية باعتبارها علاقة بين شعبين، لا مجرد صراع بين حكومتين.

التنافس.. ولكن ليس حربًا بلا نهاية

أكثر ما يلفت الانتباه في خطاب شي هو أنه لا ينكر التنافس بين البلدين، بل يعترف به صراحة، لكنه يحاول وضعه داخل إطار يمكن السيطرة عليه.

فالتنافس، وفق الرؤية التي عرضها، يجب أن يكون سباقًا يدفع الطرفين إلى التقدم، لا مصارعة يسعى فيها أحدهما إلى إسقاط الآخر.

وهنا تبرز الإشارة إلى «فخ ثيوسيديدس»، باعتباره أحد أكبر المخاوف التاريخية في العلاقات بين القوى الصاعدة والقوى القائمة: أن يتحول انتقال القوة من منافسة إلى مواجهة.

ولهذا تبدو العبارة الأكثر أهمية في المشهد كله هي: ليس المطلوب إنهاء المنافسة، وإنما منع المنافسة من التحول إلى صدام.

التجارة.. حيث المصالح لا تعرف الحدود السياسية

وفي الملف الاقتصادي، تبدو الصورة أكثر براغماتية.

فالمشاورات التجارية والاقتصادية بين الجانبين، والحديث عن ترتيبات جديدة، يعكسان إدراكًا مشتركًا بأن الاقتصادين الصيني والأمريكي متداخلان إلى درجة تجعل استمرار التوتر مكلفًا ليس فقط للطرفين، وإنما للاقتصاد العالمي أيضا.

ولهذا طرح شي فكرة «إطالة قائمة التعاون وتقليص قائمة المشكلات».

إنها معادلة بسيطة في كلماتها، لكنها معقدة في تطبيقها؛ لأن العلاقات التجارية بين القوتين أصبحت جزءًا من التنافس الاستراتيجي والتكنولوجي والسياسي في آن واحد.

الذكاء الاصطناعي.. ميدان المنافسة ومستقبل البشرية

أما الذكاء الاصطناعي، فيمثل ربما أحدث فصول التنافس الصيني الأمريكي.

فالبلدان يتنافسان في التكنولوجيا والابتكار، لكن خطاب شي يفتح الباب أمام التعاون في مواجهة المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا، ومنع إساءة استخدامها، والحفاظ على سيطرة الإنسان على الذكاء الاصطناعي.

وهنا تنتقل المنافسة من سؤال «من يمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدمًا؟» إلى سؤال أكبر: من يستطيع أن يضمن أن تخدم التكنولوجيا الإنسان بدل أن تتحول إلى مصدر جديد للخطر؟

تايوان.. الخط الأحمر الذي لا يغيب

لكن لغة التهدئة لا تعني أن الملفات الاستراتيجية اختفت.

ففي صدارة القضايا الحساسة تظل تايوان، التي أكد شي بشأنها الموقف الصيني المتعلق بوحدة البلاد وسلامة أراضيها ورفض استقلال تايوان، داعيًا الجانب الأمريكي إلى التعامل مع المسألة بحذر.

وهكذا تظهر العلاقة الصينية الأمريكية في صورتها الحقيقية: مساحات واسعة للتعاون، وفي الوقت نفسه خطوط حمراء وخلافات عميقة لا تزال قائمة.

من واشنطن إلى المستقبل

وفي المقابل، حملت تصريحات ترمب، بحسب ما نقلته شينخوا، إشارات إلى أهمية استمرار الحوار والتعاون الاقتصادي والتكنولوجي، مع تأكيده على استمرار التواصل مع شي جينبينغ.

وهذا لا يعني اختفاء الخلافات بين البلدين، وإنما يعكس إدراكًا بأن العلاقة بين بكين وواشنطن لا يمكن اختزالها في ثنائية الصداقة أو العداء.

إنها علاقة أكثر تعقيدًا: شراكة في بعض الملفات، ومنافسة في أخرى، وخلاف استراتيجي في ملفات ثالثة.

مائدة واحدة.. وعالمان يتفاوضان

في النهاية، ربما كانت الصورة الأكثر تعبيرًا هي تلك التي جمعت الرئيسين وعقيلتيهما في البيت الأبيض.

صورة تبدو بسيطة أمام الكاميرات، لكنها تحمل خلفها قرنين من التبادل، وعقودًا من التقارب والصراع، ومستقبلًا تتنافس فيه قوتان على التكنولوجيا والاقتصاد والنفوذ.

فالتنين الصيني والنسر الأمريكي قد لا يتفقان على شكل العالم، لكنهما يملكان مصلحة مشتركة في ألا يتحول اختلافهما إلى حريق عالمي.

ومن هنا، فإن السؤال الذي تتركه لنا هذه الزيارة ليس: من انتصر؟

بل: هل تستطيع القوتان أن تجعلا من التنافس جسرًا، لا شرارة، وأن تحولا خلافاتهما من مقدمة للصدام إلى فرصة لإدارة عالم أكثر تعقيدًا؟

فربما لا يكون مستقبل العلاقات الصينية الأمريكية في أن يحب أحدهما الآخر، بل في أن يتعلم كلاهما كيف يختلف مع الآخر دون أن يهدم الجسر الذي يعبر عليه الاثنان.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى