رئيس التحريرسلايدر

الفرعون «موسى» أميناً عاماً للأمم المتحدة.. هل آن أوان عودة الروح؟

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

 

في عالمٍ تتكاثر فيه الحروب، وتتراجع فيه هيبة القانون الدولي، وتتسع فيه الفجوة بين مبادئ ميثاق الأمم المتحدة وموازين القوة، تبدو فكرة ترشيح عمرو موسى لأمانة الأمم المتحدة جديرة بأن تتحول من مجرد سؤال صحفي إلى نقاش دولي واسع:

هل تحتاج المنظمة الدولية إلى رجل يعرف الشرق والغرب، ويقرأ خرائط القوة، ويتحدث بلغة الدبلوماسية من دون أن يفقد لغة الحق؟

قد يبدو العنوان، للوهلة الأولى، أقرب إلى الأسطورة: «الفرعون موسى» في نيويورك! لكن المقصود هنا ليس فرعون التاريخ، وإنما الدبلوماسي المصري الذي حمل اسم موسى، وعبر أكثر من نصف قرن بين أروقة الخارجية المصرية والأمم المتحدة والجامعة العربية.

عمرو موسى يمتلك سيرة دبلوماسية استثنائية. التحق بالسلك الدبلوماسي المصري عام 1958، وعمل في البعثة المصرية لدى الأمم المتحدة، ثم أصبح سفيراً لدى الهند، ومندوباً دائماً لمصر لدى الأمم المتحدة، قبل أن يتولى وزارة الخارجية المصرية بين عامي 1991 و2001، ثم الأمانة العامة لجامعة الدول العربية من 2001 إلى 2011.

وهذه الخبرة هي ما يجعل اسمه صالحاً لنقاش جاد في لحظة تبحث فيها الأمم المتحدة عن أمين عام جديد، إذ تنتهي ولاية أنطونيو جوتيريش في 31 ديسمبر 2026، فيما تشدد المنظمة الدولية على الخبرة الواسعة في العلاقات الدولية والقدرة القيادية والمهارات الدبلوماسية والالتزام بمبادئ الميثاق.

فهل تنطبق هذه المعايير على موسى؟

الإجابة يتركها العالم للدول الأعضاء، لكن السجل المهني يقول إن الرجل أمضى سنوات طويلة داخل النظام الدولي، وليس خارجه.

موسى.. دبلوماسي لا يخشى الاشتباك

ما يميز عمرو موسى في الذاكرة الدبلوماسية العربية أنه لم يكن مجرد موظف يجيد صياغة البيانات. لقد اشتهر بلهجة سياسية مباشرة وقدرة على الاشتباك مع القضايا الشائكة، ولا سيما القضية الفلسطينية.

وفي مؤتمر الأمم المتحدة العالمي لمناهضة العنصرية عام 2001، تحدث موسى صراحة عن الممارسات ذات الطابع العنصري المرتبطة بالصراع، وانتقد انسحاب الولايات المتحدة وإسرائيل من المؤتمر، مؤكداً أن النجاح لا ينبغي أن يكون على حساب المبادئ.

ولعل واحدة من أكثر اللحظات التي رسخت صورة موسى في الذاكرة السياسية العربية والدولية كانت مواجهاته العلنية مع المسؤولين الإسرائيليين، حيث لم يتعامل مع الدبلوماسية باعتبارها حفلاً للمجاملات، وإنما باعتبارها ساحة للدفاع عن الحق العربي والقانون الدولي.

وفي تلك المواجهات، كان موسى يتحدث بلغة هادئة، لكن رسالته كانت واضحة: لا يمكن بناء سلام حقيقي فوق احتلال، ولا يمكن مطالبة الضحية بالصمت بينما يُمنح المعتدي حصانة سياسية.

وهنا تكمن إحدى أهم صفات موسى: القدرة على قول «لا» من داخل قاعة الدبلوماسية، من دون أن يحولها إلى قطيعة مع العالم.

موسى.. كاريزما تصهر أسباب النزاع

لكن الدبلوماسية وحدها لا تكفي لصناعة السلام.

هناك شخصيات تمتلك المعرفة، وأخرى تمتلك الخبرة، وثالثة تمتلك القدرة على التأثير في النفوس قبل العقول.

وعمرو موسى يتمتع بكاريزما خارقة، جديرة بصهر أسباب النزاع بين الفرقاء، وتحويل الخصومة إلى مساحة للحوار، وتجسيد ما يمكن تسميته بـ«العشق المباح».

والعشق هنا ليس عشقاً سياسياً لطرف على حساب آخر، وإنما عشق الإنسان للإنسان، وعشق السلام للسلام، وعشق الحوار لفكرة أن الخصم ليس عدواً أبدياً، وأن أبواب التفاهم لا ينبغي أن تُغلق حتى في أشد لحظات الصراع.

تلك الكاريزما، إذا اقترنت بخبرة موسى الدبلوماسية، يمكن أن تمنحه مساحة مختلفة في التعامل مع أطراف متناقضة: عرباً وإسرائيليين، شرقاً وغرباً، دولاً كبرى ودولاً نامية، خصوماً سياسيين وقوى متنافسة.

إنه يعرف كيف يختلف مع الآخر دون أن يحرق الجسر المؤدي إليه.

وهذه ربما إحدى أكثر الصفات التي تحتاجها الأمم المتحدة في هذه اللحظة.

السلاح النووي.. السؤال الذي يطرق باب الأمم المتحدة

ظل الملف النووي الإسرائيلي واحداً من الملفات التي أثارت أسئلة عربية ودولية متكررة حول عدالة نظام عدم الانتشار النووي.

وقد دعت مصر، عبر عقود، إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وإلى إخضاع جميع دول المنطقة لنظام دولي متساوٍ من الالتزامات والرقابة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجاً:

كيف يمكن إقناع العالم بأن النظام النووي الدولي يقوم على قواعد واحدة، بينما توجد ترسانات نووية خارج معاهدة عدم الانتشار، في الوقت الذي تواجه فيه دول أخرى ضغوطاً هائلة بسبب برامجها النووية؟

إنها ليست مسألة إيران وحدها، ولا إسرائيل وحدها، وإنما سؤال عن مصداقية النظام الدولي بأكمله.

وهنا تظهر المقارنة بين نماذج مختلفة من إدارة الملف النووي الدولي.

فالراحل محمد البرادعي، المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ترك بصمته باعتباره مدافعاً عن استقلال الوكالة وعن ضرورة تطبيق قواعد عدم الانتشار بصورة متسقة. وكذلك كان هانز بليكس، المدير العام السابق للوكالة، أحد أبرز الوجوه التي ارتبط اسمها بالتفتيش الدولي ومحاولات التحقق المستقل.

أما رافائيل جروسي، المدير العام الحالي للوكالة، فقد أصبح اسمه مرتبطاً بصورة أكثر جدلاً بالمرحلة شديدة الحساسية من الصراع النووي الإيراني.

ومن هنا جاءت التساؤلات حول انتقال جروسي من قيادة المؤسسة النووية الدولية إلى المنافسة على قيادة الأمم المتحدة نفسها:

هل تكفي الخبرة الفنية في المجال النووي لإدارة منظمة سياسية عالمية تعاني أزمة ثقة عميقة بين الشرق والغرب؟

السؤال مفتوح، والإجابة ستكون سياسية بقدر ما هي دبلوماسية.

موسى أمام جروسي.. دبلوماسية العالم أم دبلوماسية الملف؟

الفارق الجوهري هنا أن عمرو موسى ليس رجل ملف واحد.

إنه رجل الخريطة الدولية بكاملها.

يعرف الشرق الأوسط من داخله، ويعرف النظام العربي، وخبر الولايات المتحدة وأوروبا، وعمل داخل الأمم المتحدة، وقاد جامعة الدول العربية، وخاض ملفات الحرب والسلام، والصراع العربي الإسرائيلي، والإصلاح الدولي، والعلاقات بين القوى الكبرى.

وبعبارة أخرى:

جروسي يعرف الملف النووي جيداً، أما موسى فيعرف العالم الذي يصنع الملف النووي ويستخدمه ويتصارع حوله.

وهذه نقطة تستحق أن توضع على طاولة النقاش الدولي.

الأمم المتحدة تحتاج إلى أكثر من مدير

الأزمة الحالية ليست أزمة سكرتارية في الطابق الأعلى من مبنى الأمم المتحدة بنيويورك.

إنها أزمة ثقة.

أزمة غزة، والحرب الروسية الأوكرانية، والتوترات حول إيران، وأزمات السودان وليبيا وسوريا والعراق، والتوترات الدولية المتصاعدة، كلها كشفت أن منظومة الأمن الدولي تعاني خللاً عميقاً.

وعندما يصبح مجلس الأمن عاجزاً عن وقف الحروب، وعندما تبدو القواعد الدولية عاجزة أمام القوة العسكرية، وعندما تتعرض المؤسسات القضائية الدولية نفسها لضغوط سياسية، يصبح السؤال مشروعاً:

من يستطيع إعادة الاعتبار إلى فكرة القانون الدولي؟

هنا يأتي اسم عمرو موسى.

ليس باعتباره «منقذ العالم»، فهذه وظيفة لا يمنحها التاريخ لرجل واحد، وإنما باعتباره دبلوماسياً يمتلك أدوات الحوار والاشتباك معاً، ويعرف كيف يتحرك بين العواصم المتصارعة من دون أن يفقد البوصلة العربية والدولية.

الصين وروسيا.. والعالم الذي لم يعد أحادي الصوت

العالم يتغير.

الصين وروسيا، ومعهما قوى آسيوية وإفريقية وأمريكية لاتينية، تدفع باتجاه نظام دولي أكثر تعددية، فيما تتصاعد الدعوات إلى إصلاح المؤسسات الدولية ومنح الجنوب العالمي دوراً أكبر في صناعة القرار.

ولم تعد فكرة «الشرطي الأوحد» مقبولة لدى قطاعات واسعة من المجتمع الدولي.

ومن هنا، فإن طرح شخصية عربية مثل عمرو موسى يمكن أن يتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة مصر والدول العربية والإفريقية على الانتقال من موقع المتلقي للأحداث إلى موقع صناعة المبادرة الدولية.

والقضية هنا لا تتعلق بمصر وحدها.

إنها تتعلق بالسؤال الأكبر:

هل يستطيع العرب والمسلمون أن يتعاملوا مع السياسة الدولية باعتبارها ميداناً مفتوحاً للتأثير، لا مجرد مساحة للاحتجاج؟

لقد أثبتت التجارب السياسية في الولايات المتحدة وغيرها أن الجاليات والمجتمعات المنظمة تستطيع التأثير في القرار العام عندما تتحول من جمهور متفرق إلى قوة مدنية واعية ومنظمة.

ولذلك فإن دعم أي ترشيح عربي لا ينبغي أن يظل مجرد بيانات رسمية، بل يحتاج إلى حراك دبلوماسي وشعبي وإعلامي وفكري منظم.

من نيويورك إلى العالم.. هل تعود الروح؟

ربما تكون هذه هي اللحظة التي تحتاج فيها الأمم المتحدة إلى أكثر من أمين عام جديد.

تحتاج إلى إعادة تعريف لدورها.

تحتاج إلى أمين عام يستطيع أن يقول للشرق: نحن نسمعكم، وللغرب: لسنا ضدكم، ولإسرائيل: الأمن لا يعني الإفلات من القانون، وللفلسطينيين: حقوقكم ليست ورقة تفاوض، ولإيران: الأمن النووي يجب أن يكون شاملاً، وللقوى الكبرى: الأمم المتحدة ليست ملكاً لأحد.

وهنا يصبح اسم عمرو موسى جديراً بأن يوضع على الطاولة.

فالرجل الذي واجه المسؤولين الإسرائيليين أمام العالم، والذي عرف دهاليز الأمم المتحدة، والذي قاد الجامعة العربية، والذي أمضى سنوات في قلب الدبلوماسية الدولية، يمتلك من الخبرة والحنكة والجرأة ما يؤهله للدخول في معركة إعادة الاعتبار إلى العمل متعدد الأطراف.

قد يختلف الناس حول موسى.

وقد تختلف الحكومات حوله.

وقد تعترض عليه قُوىَ كبرى.

وهذا تحديداً هو معنى السياسة.

لكن العالم اليوم يحتاج إلى نقاش حقيقي حول شخصية تستطيع جمع المتخاصمين، لا زيادة انقسامهم؛ فتح الأبواب، لا إغلاقها؛ وإعادة السياسة إلى مكانها الطبيعي: فوق صوت المدافع.

فهل تفكر مصر في طرح الاسم، والتذكير بتجربة الدكتور بطرس بطرس غالي، مع الفارق؟

فبطرس غالي كان أول عربي يتولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة، وأثبت أن المنطقة العربية قادرة على تقديم شخصية إلى قمة الدبلوماسية الدولية تحمل رؤية تتجاوز حدودها الجغرافية.

أما اليوم، فإن طرح اسم عمرو موسى ــ إن حدث ــ سيكون في عالم مختلف، أكثر انقساماً، وأكثر تعددية، وأشد احتياجاً إلى شخصية تستطيع أن تتحرك بين المتناقضات من دون أن تفقد ثوابتها.

ربما آن الأوان لأن يدخل «موسى» إلى نيويورك لا حاملاً عصاه، وإنما حاملاً ميثاق الأمم المتحدة؛ لا ليشق البحر، وإنما ليحاول شق طريقٍ جديد بين صخور الاستقطاب الدولي.

فالأمم المتحدة لا تحتاج إلى فرعونٍ جديد، بل إلى عصا موسى!

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى