ثقافة
التعاون الرقمي بين الدول التركية: نحو منظومة تكنولوجية موحدة

أشرف أبو عريف
من أجندة رقمية إلى تعاون عملي
تضم منظومة “منظمة الدول التركية” (OTS) حاليًا كلًا من أذربيجان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وتركيا، وأوزبكستان كأعضاء كاملين، في حين تشارك تركمنستان بصفة مراقب. وتعقد المنظمة قممًا سنوية لقادتها لتقييم النتائج المحققة وتحديد اتجاهات التعاون المستقبلي.
وقد سلطت القمة غير الرسمية للمنظمة، التي عُقدت في مدينة تركستان في 15 مايو 2026، الضوء على الأهمية المتزايدة للتقنيات الرقمية؛ فخلال اجتماع خُصص لموضوع “الذكاء الاصطناعي والتنمية الرقمية”، طرح رئيس أوزبكستان شوكت ميرضياييف مبادرات لإنشاء شبكة تعاون استراتيجي في مجال الذكاء الاصطناعي، وتطوير تقنيات الحوسبة السحابية والكمومية، وإنشاء فضاء رقمي موحد.
كما اقترح رئيس الدولة تطوير “مفهوم الممر التركي الرقمي” الموجه لربط مراكز البيانات في المنطقة عبر قنوات اتصال عالية السرعة، واستضافة “منتدى التكنولوجيا” في طشقند بمشاركة الدول الأعضاء. وضعت هذه المبادرات على جدول الأعمال مهمة الارتقاء بالبنية التحتية الرقمية من مجرد مشاريع فردية للدول إلى مستوى التعاون الإقليمي الشامل.
وفي هذا السياق، تشكل العلاقات الثنائية القائمة داخل فضاء المنظمة القاعدة العملية للأجندة الرقمية قبيل قمة أنقرة المرتقبة. وما يميز التعاون اليوم أنه لم يعد مقتصرًا على الاتفاقيات والاجتماعات فحسب، بل أصبح يتجسد عمليًا على مستوى الشركات، والصادرات، والاستثمار، والبنية التحتية التكنولوجية، والكوادر المتخصصة.
صادرات تقنية المعلومات وتدفقات رؤوس الأموال: البعد الاقتصادي للتعاون
يمكن تتبع روابط الاقتصاد الرقمي لأوزبكستان مع دول المنظمة من خلال أنشطة مجمع تقنية المعلومات “IT Park Uzbekistan”.
ويبرز التعاون مع كازاخستان لنطاقه الواسع؛ فبحلول النصف الأول من عام 2026، بلغ عدد المؤسسات العاملة برأس مال كازاخستاني والمقيمة في المجمع 79 enterprise. وخلال هذه الفترة الممتدة لستة أشهر، قدمت هذه الشركات خدمات تصديرية بقيمة 3.1 مليون دولار ووفرت 1,409 فرصة عمل. وفي الفترة نفسها، وصل عدد الشركات التي تصدر خدمات تقنية المعلومات من أوزبكستان إلى كازاخستان إلى 114 شركة، بحجم صادرات أجمالياً بلغ 8.2 مليون دولار، وبإجمالي 2,299 موظفًا.
ولا يقتصر هذا التعاون على أرقام التصدير الثنائي؛ فمنذ عام 2024، بدأت آليات إيصال الشركات الناشئة في منطقة آسيا الوسطى إلى الأسواق العالمية تتشكل عبر شراكة “مراكز الابتكار في آسيا الوسطى” (Central Asian Innovation Hubs). ومن خلال الروابط بين “Astana Hub” في كازاخستان و”IT Park Uzbekistan”، تشارك الشركات الناشئة في برامج تسريع دولية، وفعاليات استثمارية، ومشاريع تهدف لدخول الأسواق الخارجية.
كما يتوسع التعاون في الاقتصاد الرقمي مع أذربيجان بثبات؛ ووفقًا للبيانات الأولية للنصف الأول من عام 2026، وصل عدد الشركات المقيمة في المجمع برأس مال أذربيجاني إلى 16 شركة، قدمت خدمات تصديرية بقيمة 2.6 مليون دولار ووفرت 137 فرصة عمل. وفي المقابل، بلغت الشركات المقيمة التي تصدر خدماتها إلى السوق الأذربيجاني 19 شركة، بإجمالي صادرات بلغ 1,282,700 دولار.
أما الروابط مع قيرغيزستان في قطاع تقنية المعلومات والخدمات الرقمية تشهد تطورًا ملحوظًا؛ فبنهاية النصف الأول من عام 2026، كانت هناك 28 enterprise برأس مال قيرغيزي تعمل داخل المجمع، وقدمت صادرات بقيمة 974,000 دولار ووفرت 255 فرصة عمل. وخلال الفترة نفسها، بلغ عدد الشركات التي تصدر خدمات التقنية من أوزبكستان إلى قيرغيزستان 39 شركة، بحجم صادرات وصل إلى 3.3 مليون دولار، وتضم 1,939 موظفًا.
وتؤكد هذه الأرقام على الترسيخ المستمر للبعد الاقتصادي داخل التعاون الرقمي بين الدول التركية؛ حيث أصبحت صادرات الخدمات التقنية، والتفاعل مع الأسواق المحلية، والشركات ذات رؤوس الأموال الأجنبية، وخلق فرص العمل الجديدة، عناصر يعزز بعضها بعضًا.
الشركات الناشئة ورأس المال الجريء: آليات جديدة لفضاء تكنولوجي مشترك
يمثل ربط بيئات نمو الشركات الناشئة وتوسيع الفرص المشتركة لرأس المال الجريء اتجاهًا حيويًا آخر للتعاون الرقمي.
في عام 2023، عقد ممثلو البيئات التكنولوجية في أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان حوارًا بعنوان “سوق آسيا الوسطى الرقمي الصاعد”، طرحت خلاله فكرة تطوير المنطقة ليس كمجموعة من الأسواق الوطنية المنفصلة، بل كفضاء تكنولوجي موحد للمستثمرين الدوليين. وفي السنوات التالية، تعزز هذا النهج بظهور آليات إقليمية للتسريع والتصدير للشركات الناشئة.
ويعد التوسع في نشاط صناديق رأس المال الجريء الكازاخستانية في أوزبكستان أحد المظاهر العملية لهذه العملية؛ ففي عام 2025، بدأ صندوق “Big Sky Capital” نشاطه في أوزبكستان، بينما اختار صندوق “IT Park Ventures” صندوق “White Hill Capital” من بين الصناديق الدولية للتوسع. وتعمل الأطراف حاليًا على إنشاء هيكل استثمار مشترك قائم على المشاركة المتساوية.
وفي القمة غير الرسمية للمنظمة في تركستان (مايو 2026)، دعا رئيس أوزبكستان الدول الأعضاء للانضمام إلى صندوق استثماري جريء مشترك بين أوزبكستان وكازاخستان لتمويل الشركات الناشئة الشبابية الواعدة، والتطوير الابتكاري، والحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي. تعكس هذه المبادرة نهجًا يركز على ربط بيئات التقنية الوطنية عبر رأس المال والخبرات والأسواق المشتركة، بدلاً من تطويرها بمعزل عن بعضها.
وعلى صعيد متصل، عُقد “منتدى التكنولوجيا الأول لمنظمة الدول التركية” في طشقند ضمن فعاليات أسبوع أسبوع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أوزبكستان 2026، بناءً على مبادرة الرئيس شوكت ميرضياييف. وجمع المنتدى ممثلين عن المجمعات التكنولوجية ووكالات الابتكار الرائدة في أوزبكستان، وأذربيجان، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وتركيا.
وخلال المنتدى، تم توقيع مذكرة تفاهم بين “IT Park Uzbekistan”، ووكالة الابتكار والتنمية الرقمية في أذربيجان، و”Astana Hub”، ومجمع التقنيات العالية في قيرغيزستان، و”Bilişim Vadisi” التركية. وتستهدف المذكرة التنمية الممنهجة للتعاون بين المنظومات التكنولوجية والابتكارية للدول التركية.
وبموجب المذكرة، سيعقد المنتدى التكنولوجي سنويًا بالتناوب في إحدى الدول الأعضاء، على أن يجتمع رؤساء المجمعات التقنية ووكالات الابتكار بانتظام لمناقشة نتائج التعاون والمبادرات المشتركة الجديدة.
بالإضافة إلى ذلك، وقّع صندوق “IT Park Ventures” و”Bilişim Vadisi” مذكرة تعاون لتعزيز الروابط بين بيئات الشركات الناشئة والاستثمار في أوزبكستان وتركيا. وتتضمن مجالات التعاون الأساسية تبادل الفرص الاستثمارية والشركات الواعدة، والمراجعة المشتركة للصفقات المحتملة، وجذب المستثمرين، وتطوير آليات لدعم دخول الشركات التكنولوجية إلى الأسواق الدولية والتوسع فيها.
الحكومة الرقمية والاتصالات: طبقة البنية التحتية للتعاون
لا يقتصر التعاون الرقمي مع الدول التركية على قطاع أعمال تقنية المعلومات فقط؛ إذ أصبحت الحكومة الإلكترونية، والاتصالات، وتبادل البيانات، والنظم المعلوماتية الحكومية مجالات تعاون متزايدة الأهمية.
ففي مجال الحكومة الإلكترونية، توثق التعاون مع أذربيجان بين “مركز إدارة مشاريع الحكومة الرقمية” ووكالة “ASAN”. كما تم تقديم دعم عملي لوكالة “DOST” الأذربيجانية لتطبيق خدمة الدور الإلكتروني للفئات الاجتماعية الأكثر احتياجًا.
وتتقدم الروابط مع كازاخستان في مجال تبادل البيانات عبر الحدود وخدمات الحكومة الرقمية؛ فضمن مشروع تجريبي لتبادل البيانات في قطاع السياحة أُطلق عام 2025، تم وضع الأطر القانونية والفنية لتبادل البيانات عابر الحدود بين أوزبكستان وكازاخستان وكوريا الجنوبية. وتستهدف المراحل التالية توسيع هذه الآلية لتشمل مجالات أولوية أخرى وتأسيس منصة موحدة لتبادل البيانات بين الدول.
كما تشكلت آليات ثنائية في قطاع الاتصالات؛ حيث تم إرساء تبادل الحركة الشبكية (Traffic exchange) عبر قنوات الاتصال الدولية مع كازاخستان، في حين يجري تنفيذ خدمات الربط الدولي بالإنترنت، وتأجير القنوات، وتبادل البيانات مع قيرغيزستان.
وفي كلمته خلال قمة تركستان، أشار رئيس أوزبكستان إلى الإطلاق الكامل لنظام التصاريح الإلكترونية “E-Permit” بين أوزبكستان والدول الأعضاء، واضعًا أهدافًا عملية تتعلق برقمنة الإجراءات الجمركية والعبور (الترانزيت)، وتوسيع تبادل البيانات، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد اللوجستية.
وبذلك، يتجلى التحول الرقمي في إطار المنظمة ليس كمجموعة من المشاريع التكنولوجية المنفصلة، بل كطبقة بنية تحتية تربط عمليات التجارة، واللوجستيات، والجمارك، والخدمات الحكومية، وقطاع الاتصالات.
العلاقات مع تركيا وتركمنستان: مجالات تعاون أخرى
يحتل التطوير المهني وتدريب الكوادر مكانة خاصة في إطار التعاون الرقمي مع تركيا؛ إذ يتم تنفيذ برامج تطوير مهني ودورات تدريبية قصيرة الأجل في أوزبكستان عبر وكالة “TIKA”. وتوجد مقترحات لتعميق التعاون في مجالات التقنيات الرقمية، وأنظمة المعلومات الحكومية، والرعاية الصحية الرقمية، والأمن السيبراني.
ويركز هذا النهج بشكل خاص على رأس المال البشري، باعتباره المحرك الأساسي للاقتصاد الرقمي؛ فالتنمية المستدامة للمنظومة التكنولوجية لا تعتمد على البنية التحتية والاستثمار فحسب، بل تعتمد بالقدر نفسه على تأهيل المتخصصين، وتبادل الخبرات الدولية، وبناء الكفاءات الجديدة.
من جانبها، تشارك تركمنستان في المنظمة بصفة مراقب، ويجمعهما تعاون مع أوزبكستان في مجالات الاقتصاد الرقمي والاتصالات. وبنهاية الربع الأول من عام 2026، كان هناك 3 شركات مقيمة في “IT Park” برأس مال تركماني. كما يستمر العمل بعقد خدمات الاتصالات الدولية بين شركة “Uztelecom” وشركة “Turkmentexnokurilishyk” التركمانية.
قاعدة عملية تتشكل قبل أجندة أنقرة
تظهر الصورة الحالية أن التعاون الرقمي بين الدول التركية يتحول تدريجيًا من مجرد مشاريع فردية إلى منظومة متكاملة وممنهجة. فمن ناحية، تتوطد الروابط بين صادرات الخدمات التقنية، ورؤوس الأموال الأجنبية، والشركات الناشئة؛ ومن ناحية أخرى، تتقدم المجالات البنيوية مثل تبادل البيانات، والحكومة الإلكترونية، واللوجستيات، والاتصالات، والأمن السيبراني.
وقد حددت المبادرات التي قدمتها أوزبكستان في القمة غير الرسمية بتركستان (مايو 2026) المرحلة التالية من هذه العملية؛ إذ أضفت المقترحات المتعلقة بشبكة التعاون الاستراتيجي في الذكاء الاصطناعي، ومفهوم “الممر التركي الرقمي”، وعقد المنتدى التكنولوجي في طشقند، وتوسيع آليات التمويل الجريء المشترك، والتعاون في تبادل البيانات والأمن السيبراني طابعًا إقليميًا أوسع على الأجندة الرقمية.
ومع اقتراب القمة الثالثة عشرة لمنظمة الدول التركية المقرر عقدها في أنقرة، تشكل الخبرات الثنائية المتراكمة قاعدة عملية رائدة. وتغطي الروابط الرقمية لأوزبكستان مع دول المنظمة اليوم نطاقًا واسعًا يمتد من الشركات وجغرافية التصدير إلى استثمارات الشركات الناشئة، والخدمات الحكومية، وتبادل البيانات، والبنية التحتية الرقمية.
وتكمن المهمة الرئيسية المقبلة في تطوير هذه الروابط ليس كاتجاهات منفصلة، بل كفضاء تكنولوجي واقتصادي مترابط. ومن شأن هذا النموذج أن يفتح أسواقًا جديدة لشركات تقنية المعلومات، ويوفر رؤوس الأموال وفرص التسريع للشركات الناشئة، ويرفع كفاءة الكوادر الوطنية، ويرسي آليات جديدة للبنية التحتية الرقمية وتبادل البيانات بين الدول.
وهذا هو الأهم قبل قمة أنقرة: إن التعاون الرقمي في إطار منظمة الدول التركية لم يعد يقتصر على التكنولوجيا بذاتها، بل أصلح يصيغ البعد الرقمي لعمليات تشمل التجارة، والاستثمار، ورأس المال البشري، واللوجستيات، والإدارة العامة، والترابط الإقليمي. وتظل الخبرة الثنائية التي تراكمت لدى أوزبكستان في السنوات الأخيرة أحد العوامل الرئيسية المحركة للمضمون العملي لهذه الأجندة.



