سلايدرسياسة

نجاح الدبلوماسية المصرية في إعادة وصل الساحل بالصحراء

Listen to this article

أشرف أبو عريف

يكشف اللقاء الثلاثي الذي جمع د. بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، مع وزيري خارجية تشاد وليبيا، عن تحرك مصري يتجاوز حدود التشاور التقليدي إلى بناء مسار إقليمي أكثر انتظامًا لمواجهة تحديات الساحل والصحراء. وقد عُقد اللقاء في القاهرة يوم 4 أكتوبر، وركز على الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية، إلى جانب إعادة تفعيل تجمع دول الساحل والصحراء.

نجاح بدر.. من اللقاء إلى إعادة تشغيل المؤسسات

أبرز ما يمنح تحرك عبد العاطي أهمية خاصة هو أنه لم يتوقف عند تبادل الرؤى، وإنما دفع باتجاه خطوات مؤسسية واضحة: عقد اجتماع وزاري في أقرب فرصة، يمهد لقمة على مستوى رؤساء الدول والحكومات، ويتيح استئناف عمل مؤسسات التجمع وتعزيز فاعليتها.

وهنا تكمن دلالة التحرك المصري؛ فالقاهرة لا تتعامل مع أمن الساحل والصحراء باعتباره ملفًا أمنيًا منفصلًا، وإنما باعتباره حلقة مترابطة بين الأمن والتنمية وضبط الحدود والتكامل الإقليمي.

مثلث القاهرة–طرابلس–إنجامينا

اختيار مصر وتشاد وليبيا لهذا الإطار الثلاثي يحمل أهمية جغرافية وسياسية واضحة. فالدول الثلاث ترتبط مباشرة بمسارات الحركة عبر الصحراء، كما تواجه تحديات مشتركة تتعلق بالإرهاب والجريمة العابرة للحدود والهجرة غير الشرعية.

ومن ثم، فإن تعزيز التنسيق بينها يمكن أن يشكل نواة عملية لتعاون أوسع داخل تجمع دول الساحل والصحراء، خصوصًا مع الاتجاه إلى بناء القدرات الأمنية للدول الأعضاء وتطوير آليات التعاون في السلم والأمن.

الدبلوماسية المصرية تفتح الطريق للتنمية

اللافت كذلك أن الرؤية المطروحة لا تفصل مكافحة الإرهاب عن التنمية. فاستقرار الحدود ورفع قدرات الدول الأعضاء وفتح طرق التعاون الاقتصادي والبنية الأساسية يمكن أن تتحول مجتمعة إلى أدوات لمعالجة جذور عدم الاستقرار، لا مجرد التعامل مع نتائجه.

وتأتي هذه الرؤية امتدادًا لتحرك مصري متنامٍ تجاه تشاد؛ فقد شهدت العلاقات خلال أغسطس الماضي دفعًا للتعاون في البنية الأساسية، ومنها طريق مصر–ليبيا–تشاد، إلى جانب برامج بناء القدرات الأمنية ومكافحة الإرهاب والتطرف.

بدر عبد العاطي.. دبلوماسية تجمع الخيوط

وتتضح أهمية التحرك الأخير أيضًا في توقيته؛ إذ جاء بعد مشاركة عدد من المسؤولين الأفارقة في منتدى العلمين أفريقيا، الذي استضافته مصر، وما صاحبه من اتصالات هدفت إلى دفع التعاون الأفريقي اقتصاديًا واستثماريًا وسياسيًا.

وهكذا تبدو الدبلوماسية المصرية، بقيادة عبد العاطي، وكأنها تعمل على وصل الملفات ببعضها: الأمن بالسلم، والسلم بالتنمية، والتنمية بالتكامل الإقليمي.

والأهم أن اللقاء الثلاثي أعاد طرح فكرة إحياء تجمع الساحل والصحراء من خلال مؤسساته وآلياته الجماعية، وليس الاكتفاء بتنسيقات ظرفية بين بعض دوله.

من القاهرة يبدأ الطريق

إن نجاح التحرك لا يُقاس بمجرد انعقاد اللقاء، وإنما بمدى ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى اجتماعات وقرارات وآليات تنفيذية. لكن المؤكد أن القاهرة وضعت على الطاولة مسارًا واضحًا: تنسيق مصري–تشادي–ليبي، ثم اجتماع وزاري، ثم قمة، ثم إعادة تنشيط مؤسسات التجمع.

وفي هذا السياق، يبرز دور بدر عبد العاطي في تحويل الدبلوماسية المصرية من إدارة الأزمات إلى بناء أطر للتعاون الإقليمي، مستندًا إلى موقع مصر وعلاقاتها التاريخية مع دول الجوار الأفريقي، وإلى قدرتها على الجمع بين الاعتبارات الأمنية والسياسية والتنموية.

إنها دبلوماسية مصرية تحاول أن تجعل من الساحل والصحراء فضاءً للتعاون بدلًا من أن يبقى ساحة مفتوحة للتحديات؛ ومن هنا تأتي أهمية نجاح بدر عبد العاطي في جمع القاهرة وطرابلس وإنجامينا حول طاولة واحدة، وإعادة وضع تجمع الساحل والصحراء على طريق العمل من جديد.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى