
رئيس التحرير يكتب
في مقاله اللافت المنشور في «وول ستريت جورنال» بعنوان «موت الشرق الأوسط القديم والعالم الخطير الجديد الذي يحل محله»، يضع المؤرخ البريطاني سيمون سيباغ مونتفيوري إصبعه على جرح يتجاوز حدود المنطقة العربية، محذرًا من أن الشرق الأوسط لم يعد مجموعة أزمات منفصلة، وإنما أصبح شبكة متشابكة من الصراعات والتحالفات والمصالح تمتد من أوكرانيا والقوقاز إلى الخليج وجنوب آسيا والبحر الأحمر وشرق أفريقيا.
الأخطر في قراءة مونتفيوري ليس فقط أن الشرق الأوسط يتغير، وإنما أن قواعد اللعبة نفسها تتبدل. فالتحالفات لم تعد تُبنى بالضرورة على المذهب أو الأيديولوجيا، وإنما على الأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا والسلاح والموانئ والنفوذ. وفي هذا العالم الجديد، تتقاطع مصالح دول كانت بالأمس على طرفي نقيض، بينما تتحول أزمات محلية إلى حلقات في سلسلة دولية واحدة.
وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا أمام الرسالة التي يمكن استخلاصها من المقال إلى دول الخليج العربية، باعتبارها اليوم أحد أهم مراكز القوة والثروة والتأثير في النظام الإقليمي الجديد. فالثروة وحدها لا تمنح حصانة من الحريق؛ بل قد تجعل صاحبها أكثر عرضة لأن يصبح طرفًا في لعبة النفوذ، أو ساحة لتصفية الحسابات، أو مصدرًا لتمويل تنافس إقليمي لا يعرف أحد أين ينتهي.
لقد انتقل مركز الثقل الإقليمي خلال السنوات الأخيرة بدرجة كبيرة نحو الخليج، مع صعود السعودية والإمارات وقطر كمراكز سياسية واقتصادية مؤثرة. وهذا الصعود يمنح هذه الدول قدرة استثنائية على صناعة الاستقرار، لكنه يضع عليها في الوقت نفسه مسؤولية تاريخية مضاعفة.
والرسالة الأخطر هنا: إذا ساهم المال والنفوذ الخليجي في إشعال سباقات المحاور والتسلح والنفوذ، فإن الخليج نفسه لن يكون بمنأى عن نتائجها. قد تبدو الصراعات بعيدة جغرافيًا، لكن الصواريخ والطائرات المسيّرة وإغلاق الممرات البحرية واضطراب الطاقة والأسواق لا تعترف بالحدود.
ومع ذلك، فإن تحميل الخليج وحده مسؤولية أزمات الشرق الأوسط سيكون تبسيطًا مخلًا. فالمنطقة تشهد تداخلًا بين قوى إقليمية ودولية متعددة، من إيران وتركيا وإسرائيل إلى الولايات المتحدة وروسيا والصين، ولكل منها حساباتها ومصالحها وأدواتها. لذلك فإن القضية ليست البحث عن «مذنب واحد»، وإنما مساءلة جميع من يملكون القدرة على إشعال الحريق أو إطفائه.
وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي الأهم: ما ذنب شعوب العالم البريئة في أن تدفع ثمن اضطرابات الشرق الأوسط؟
ما ذنب العامل الآسيوي إذا ارتفعت أسعار الطاقة؟ وما ذنب الأسرة الأوروبية إذا تعطلت التجارة؟ وما ذنب المواطن الأفريقي إذا أدى اضطراب البحر الأحمر إلى ارتفاع أسعار الغذاء؟ وما ذنب الطفل الذي يعيش بعيدًا آلاف الكيلومترات عن المنطقة إذا تحولت المنافسات الجيوسياسية إلى أزمة اقتصادية عالمية؟
هذه هي النقطة التي تجعل تحذير مونتفيوري أكثر أهمية من مجرد تحليل للتحالفات. فهو يتحدث عن احتمال انتقال النار بين بؤر الصراع، أو ما يشبه «الانتقال المفاجئ للنيران»، بحيث لا تبقى الحرب حربًا واحدة في مكان واحد، بل تتحول الأزمات المتفرقة إلى حريق واسع. وهذه الفكرة هي جوهر الخطر الحقيقي في النظام الدولي الجديد.
لذلك، فإن الرسالة إلى العرب، وإلى دول الخليج خصوصًا، ينبغي ألا تكون: من يملك القوة يربح، وإنما: من يملك القوة يتحمل مسؤولية أكبر عن منع الحرب.
فالخليج يستطيع أن يكون مركزًا للصراع، لكنه يستطيع أيضًا أن يكون مركزًا للتهدئة. يستطيع أن يمول سباق المحاور، لكنه يستطيع كذلك أن يمول التنمية والتكامل العربي. يستطيع أن يستخدم نفوذه لتوسيع دوائر الاستقطاب، أو أن يحوله إلى جسور للحوار بين الخصوم.
إن الشرق الأوسط الجديد لا يحتاج إلى مزيد من الحرائق، بل إلى هندسة جديدة للأمن الإقليمي؛ أمن لا يقوم على إلغاء الآخر، ولا على الاستقواء بالخارج، ولا على تحويل الدول إلى ساحات للحروب بالوكالة، وإنما على الاعتراف بأن أمن الخليج من أمن المشرق، وأن أمن البحر الأحمر من أمن المتوسط، وأن استقرار المنطقة مصلحة عالمية لا تخص شعوبها وحدها.
وإذا كان مونتفيوري محقًا في أن «الشرق الأوسط القديم» يموت، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا سيأتي بعده؟ بل: من سيكتب قواعد الشرق الأوسط الجديد؟
والأهم: هل يكتبها أصحاب القوة وحدهم، أم تكتبها أيضًا الشعوب التي دفعت لعقود ثمن حروب لم تخترها؟
فالحريق، إذا خرج من الشرق الأوسط، لن يسأل عند أبواب العالم عن جنسية الضحايا.



