رئيس التحريرسلايدر

إيطاليا… عندما يصل المؤتمر قبل التأشيرة؟!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

تخيّلوا معي هذا المشهد الكوميدي، لو لم يكن مؤلمًا إلى هذا الحد!

مهندس مصري، السيد أحمد محمد إبراهيم، يتلقى دعوة رسمية لحضور مؤتمر مهني في ميلانو الإيطالية يوم 6 أكتوبر 2026. دعوة من الجهة المنظمة، ومؤتمر له موعد محدد، وتذكرة سفر تحتاج إلى قرار واضح، ومواعيد عمل لا تنتظر أحدًا.

الرجل فعل ما عليه.

تقدّم بطلب الحصول على التأشيرة الإيطالية في 3 أغسطس 2026.

واليوم 5 أكتوبر 2026.

أي أن الرجل انتظر 63 يومًا كاملة!

غدًا يبدأ المؤتمر في ميلانو… أما التأشيرة، فلا تزال في مكان ما بين القاهرة وروما، أو ربما قررت أن تقوم بجولة سياحية في أوروبا قبل أن تصل إلى صاحبها!

يا لها من مفارقة!

الاتحاد الأوروبي نفسه يوضح أن المدة المعتادة للبت في طلب تأشيرة شنغن هي 15 يومًا، ويمكن تمديدها إلى 45 يومًا كحد أقصى في الحالات الفردية التي تحتاج إلى تدقيق إضافي.

أما هنا، فنحن أمام 63 يومًا!

فهل أصبحت التأشيرة الإيطالية تحتاج إلى وقت أطول من المؤتمر الذي يفترض أن يحضر إليه صاحبها؟

وهل أصبحت الرحلة إلى ميلانو أسهل من رحلة التأشيرة من مكتب إلى مكتب؟

المفارقة الأكثر إثارة أن المهندس أحمد محمد إبراهيم ليس شخصًا يتقدم لأول مرة إلى فضاء شنغن. فقد سبق له الحصول على تأشيرة إيطالية، وكذلك تأشيرة هولندية، وفق المعلومات المتاحة عن حالته، أي أن لديه سجلًا سابقًا في السفر إلى دول شنغن.

وبالطبع، لا يعني الحصول على تأشيرات سابقة أن التأشيرة الجديدة حق تلقائي؛ فكل طلب يخضع للتقييم وفق القواعد المعمول بها. لكن السؤال المشروع هنا مختلف تمامًا:

إذا كان المواطن قد استوفى الإجراءات المطلوبة، وتقدم قبل موعد المؤتمر بوقت طويل، فلماذا لا يعرف حتى اليوم مصير طلبه؟

إنها ليست مسألة رحلة سياحية لقضاء بضعة أيام.

إنه مهندس مصري مدعو إلى مؤتمر مهني دولي، ومن المفترض أن تكون مثل هذه المؤتمرات جسورًا بين الشعوب والمؤسسات والاقتصادات والخبرات.

فكيف نبني الجسور إذا كانت التأشيرة نفسها لا تصل قبل أن ينتهي الطريق؟

وهنا لا بد من التوقف أمام معنى أكبر.

الاتحاد الأوروبي يتحدث رسميًا عن الشراكة الاستراتيجية والشاملة مع مصر، وعن أهمية العلاقات بين الجانبين، وعن تعزيز التواصل بين الشعوب والمجتمعات، بل إن بعثة الاتحاد الأوروبي في القاهرة تؤكد أن العلاقات بين الاتحاد ومصر لها بُعد إنساني قائم على التواصل بين الشعوب. 

لكن المواطن العادي لا يقرأ بيانات الشراكة في بروكسل أو القاهرة.

المواطن يقيس الشراكة من خلال المعاملة التي يلقاها عندما يطرق باب السفارة أو القنصلية.

وهنا تحديدًا يحق لنا أن نسأل:

هل تعكس تجربة الحصول على التأشيرة مستوى العلاقات التي يتحدث عنها الاتحاد الأوروبي ومصر؟

إذا كان مؤتمر دولي يبدأ في 6 أكتوبر، وكان طلب التأشيرة قد قُدم في 3 أغسطس، ثم لم يصدر القرار حتى مساء 5 أكتوبر، فإن السؤال لا يصبح فقط: أين التأشيرة؟

بل يصبح:

أين تقدير الوقت؟ أين احترام الموعد؟ وأين خدمة المواطن؟

ولست هنا في مقام اتهام موظف بعينه أو سفارة بعينها بسوء النية؛ فقد تكون هناك أسباب إجرائية أو أمنية أو فنية لا نعرفها. لكن غياب التفسير لا يلغي حق المواطن في السؤال، ولا يلغي حقه في معرفة مصير طلبه.

والأكثر غرابة أن المواطن اضطر إلى مخاطبة بعثة الاتحاد الأوروبي في القاهرة طالبًا سرعة إنهاء الإجراءات، لأن الأمر مرتبط بمؤتمر محدد الموعد، ومع ذلك لم يحصل على التأشيرة حتى الآن.

وهنا أتساءل ساخرًا:

هل تحتاج دعوة مؤتمر دولي في ميلانو إلى دعوة أخرى من روما حتى تُصدَّق الدعوة الأولى؟

وهل يحتاج المواطن المصري إلى أن يثبت كل مرة أنه مواطن جدير بالثقة، رغم أن لديه سجلًا سابقًا في الحصول على تأشيرات شنغن؟

ثم ماذا عن رجال الأعمال والمهندسين والأطباء والأكاديميين والباحثين المصريين الذين ترتبط أعمالهم بمواعيد دقيقة لا يمكن تأجيلها؟

المؤتمر لا ينتظر السفارة، والطائرة لا تنتظر التأشيرة، والاقتصاد لا ينتظر البيروقراطية!

وإذا وصلت التأشيرة بعد انتهاء المؤتمر، فما قيمتها؟

هل يمكن للمواطن أن يدخل إلى قاعة المؤتمر في 7 أكتوبر، ثم يقول للمنظمين:

«عذرًا، وصلتني التأشيرة أخيرًا… ولكن المؤتمر انتهى أمس»؟!

هنا تتحول التأشيرة من وثيقة سفر إلى وثيقة لإثبات أن الموعد قد فات!

لذلك فإنني أطالب وزارة الخارجية المصرية بالنظر العاجل في هذه الواقعة، والتحقق من ملابسات تأخر إصدار التأشيرة، ومعرفة ما إذا كان ما حدث حالة فردية أم أن هناك مشكلة أوسع تواجه المتقدمين للحصول على التأشيرات الإيطالية أو تأشيرات دول شنغن في مصر.

وأطالب كذلك بعثة الاتحاد الأوروبي في القاهرة بفتح حوار واضح حول تجربة المواطنين المصريين مع إجراءات التأشيرات، لا سيما في الحالات المهنية والعلمية والاقتصادية المرتبطة بمواعيد مؤتمرات أو اجتماعات لا يمكن تعويضها.

وبعثة الاتحاد الأوروبي نفسها تؤكد أن دورها في مصر يشمل تعزيز الشراكة والعلاقات مع المجتمع المصري، بينما تظل إجراءات التأشيرات من اختصاص سفارات وقنصليات الدول الأعضاء المعنية. 

ولذلك فإن السؤال يجب أن يصل أيضًا إلى الحكومة الإيطالية ورئيسة الوزراء جورجيا ميلوني:

هل هكذا نريد أن نبني جسورًا جديدة بين مصر وإيطاليا؟

إيطاليا دولة صديقة، ومصر دولة محورية في المنطقة، والعلاقات بين الشعبين أعمق من ختم على جواز سفر.

لكن الصداقة تُختبر أحيانًا في التفاصيل الصغيرة.

والتأشيرة تفصيل صغير جدًا… لكنه قد يكشف الكثير!

فإذا كان المواطن المصري المدعو رسميًا إلى مؤتمر في ميلانو يحتاج إلى 63 يومًا لمعرفة مصير تأشيرته، بينما تقول قواعد شنغن إن القرار يكون عادة خلال 15 يومًا، وبحد أقصى 45 يومًا في الحالات الفردية التي تستلزم مزيدًا من التدقيق، فإن الفارق يستحق تفسيرًا واضحًا. 

ولا نريد معاملة استثنائية.

ولا نريد مجاملة.

ولا نريد تجاوزًا للقانون.

نريد فقط احترام القانون، واحترام الوقت، واحترام الإنسان.

وإذا كانت أوروبا تريد بالفعل مزيدًا من التعاون الاقتصادي والعلمي والثقافي مع مصر، فإن تسهيل الإجراءات المشروعة واحترام مواعيد السفر للمؤتمرات والفعاليات المهنية يمكن أن يكون جزءًا من هذه الشراكة الإنسانية.

أما أن يصل المواطن إلى موعد المؤتمر دون تأشيرة، ثم تصل التأشيرة بعد انتهاء المؤتمر، فهذه ليست «تأشيرة شنغن»…

هذه تأشيرة إلى الماضي!

ولعل الرسالة تصل هذه المرة إلى روما، وإلى بروكسل، وإلى بعثة الاتحاد الأوروبي في القاهرة.

فالمهندس أحمد محمد إبراهيم لا يطلب فتح أبواب أوروبا بلا ضوابط؛ إنه يطلب فقط أن يُفتح له الباب في الوقت الذي دُعي فيه إلى الدخول.

وهذا، في عالم العلاقات الدولية، ليس امتيازًا…

بل أبسط معاني الاحترام المتبادل.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى