مِنْ جِدَارِ بَرْلِين إِلَى جِدَارِ غَزَّة.. أَلْمَانِيَا: حُقُوقُ الإِنْسَانِ بِنِظَامِ التَّشْغِيلِ المُزْدَوِج؟!

رئيس التحرير يكتب
احتفلت ألمانيا، في القاهرة كما في غيرها من العواصم، بذكرى وحدتها؛ ذكرى سقوط جدار برلين، ذلك الجدار الذي أصبح رمزًا عالميًا لانتصار الحرية على الانقسام، وانتصار إرادة الشعوب على الحواجز التي تفصل الإنسان عن أخيه الإنسان.
وفي القاهرة، جاءت كلمات السفير الألماني يورجن شولتس ووزير الدولة فلوريان هان لتؤكد عمق العلاقات المصرية الألمانية، وما يجمع البلدين من تعاون سياسي واقتصادي وتعليمي وثقافي، وشراكة تمتد من الطاقة والمناخ إلى التعليم والاستثمار، فضلًا عن تقدير ألماني لدور مصر الإقليمي في منطقة تعصف بها الأزمات.
وكل ذلك محل ترحيب وتقدير.
لكن المناسبة نفسها تفتح بابًا آخر للسؤال.
فإذا كانت ألمانيا تحتفل بسقوط جدار برلين، فماذا تفعل أمام الجدران التي ما زالت ترتفع في أماكن أخرى من العالم؟
وهل تستطيع دولة جعلت من تجربة الانقسام الألماني درسًا تاريخيًا للبشرية أن تنظر إلى الجدران السياسية والعسكرية والاحتلالية في الشرق الأوسط بالمنظار الأخلاقي نفسه؟
هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة للسخرية.
فألمانيا الحديثة تحمل، بحق، مسؤولية تاريخية هائلة تجاه المحرقة النازية، التي ارتكبت فيها ألمانيا النازية وحلفاؤها إبادة منهجية بحق ستة ملايين يهودي أوروبي. وتقر الحكومة الألمانية صراحة بأن هذه المسؤولية التاريخية تمثل أحد الأسس الرئيسية للعلاقة الخاصة بين ألمانيا وإسرائيل.
وهذا التاريخ لا يمكن إنكاره، ولا يجوز التقليل من فظاعة الجرائم التي ارتُكبت بحق اليهود في أوروبا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:
هل تتحول مسؤولية ألمانيا عن جرائم الماضي إلى شيك سياسي مفتوح لا تنتهي صلاحيته؟
هل يمكن أن تكون أفضل طريقة لتكفير أوروبا عن جرائم ارتُكبت ضد اليهود هي أن يصبح الفلسطيني هو الذي يدفع ثمنًا دائمًا لجريمة لم يرتكبها؟
وهل يمكن للذاكرة التاريخية أن تكون عظيمة ونبيلة، ثم تتحول في السياسة إلى انتقائية تجعل دمًا أكثر أهمية من دم، وأرضًا أكثر حرمة من أرض، وطفلًا أكثر استحقاقًا للحماية من طفل آخر؟
هذه ليست دعوة إلى نسيان المحرقة، وإنما دعوة إلى توسيع درسها الأخلاقي ليشمل كل إنسان.
فالمحرقة يجب أن تعلم العالم أن اضطهاد شعب لا يمكن أن يكون مقبولًا، وأن القوة لا تمنح صاحبها حق تقرير من يستحق الحياة والحرية.
ومن هنا تبدأ فلسطين.
القضية الفلسطينية لم تبدأ في السابع من أكتوبر، كما أن المقاومة الفلسطينية لم تولد في فراغ.
إنها نتاج تاريخ طويل من الصراع والاحتلال والاقتلاع والتهجير والاستيطان والنزاع على الأرض والحقوق.
وحركة حماس، بوصفها حركة فلسطينية مسلحة تقدم نفسها باعتبارها حركة مقاومة تسعى إلى تحرير فلسطين، تمثل أحد فصول هذا التاريخ؛ بينما تصنفها ألمانيا والاتحاد الأوروبي تنظيمًا إرهابيًا.
لكن مهما كان الموقف السياسي أو القانوني من حماس، لا يجوز منطقيًا تحويل الخلاف معها إلى رخصة لمعاقبة شعب بأكمله، أو اعتبار المدنيين الفلسطينيين أهدافًا مفتوحة للتهجير والمصادرة والتجويع والعقاب الجماعي.
والأهم من ذلك أن ما يجري الآن في أجزاء من الضفة الغربية يطرح سؤالًا أكثر إيلامًا.
فعندما تنحسر قدرة المقاومة الفلسطينية أو تتراجع، هل يصبح المدني الفلسطيني أكثر أمنًا؟
المشهد على الأرض يقول إن الإجابة ليست بهذه البساطة.
فالأمم المتحدة وثقت خلال عام 2026 تصاعدًا كبيرًا في عنف المستوطنين، شمل الاعتداء على الفلسطينيين ومنازلهم وأراضيهم الزراعية ومصادر المياه وممتلكاتهم ومصادر رزقهم، فضلًا عن سرقة المواشي وتدمير الأشجار والمحاصيل والمنشآت الزراعية. وبين يناير وأغسطس 2026، تم توثيق أكثر من 1600 اعتداء للمستوطنين أسفرت عن إصابات فلسطينية و/أو أضرار في الممتلكات، بمعدل بلغ نحو 6.7 اعتداء يوميًا.
وفي إحدى الوقائع، وثقت الأمم المتحدة الاستيلاء على نحو 30 خزان مياه تستخدم للماشية وتسييج مناطق للرعي، بينما شهدت مناطق أخرى سرقة مواشٍ وتدمير خزانات مياه ومحاصيل وأشجار ومنشآت زراعية.
إذن، المسألة ليست أن عنف المستوطنين نتج عن المقاومة؛ فهذا قلب للمعادلة.
المقصود أن انحسار القدرة على المقاومة ترك قطاعات من المدنيين الفلسطينيين أكثر انكشافًا أمام واقع الاستيطان والضغط ومصادرة الأرض والعنف، في وقت تتواصل فيه سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، وفي مقدمتها حكومة بنيامين نتنياهو، مع مواقف متشددة لدى وزراء وشخصيات سياسية مرتبطة بالمشروع الاستيطاني.
وهنا لا ينبغي تجاهل المسؤولية السياسية للحكومة الإسرائيلية نفسها.
فألمانيا تستطيع، بل إنها تفعل، أن تنتقد بعض سياسات إسرائيل. ففي أغسطس 2026، شاركت برلين في بيان دولي اعتبر خطة التوسع الاستيطاني في منطقة «إي-1» غير مقبولة، وأكد أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مخالفة للقانون الدولي، ودعا الحكومة الإسرائيلية إلى وقف التوسع الاستيطاني، خصوصًا في ظل مستويات غير مسبوقة من عنف المستوطنين ضد المدنيين.
لكن السؤال يبقى:
هل تكفي بيانات القلق والإدانة؟
وهل تستطيع الكلمات الدبلوماسية أن تعيد للفلسطيني أرضًا سُلبت، أو بيتًا أُحرق، أو شجرة اقتُلعت، أو مواشي سُرقت، أو ماءً حُرم منه؟
وهنا يصبح المشهد أكثر غرابة.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه ألمانيا أن أمن إسرائيل جزء أساسي من سياستها الخارجية، وتعلن الحكومة الألمانية استمرار وقوفها إلى جانب إسرائيل، فإنها تقول في الوقت نفسه إنها تؤيد حل الدولتين وتعارض الضم وتدين عنف المستوطنين.
أي أننا أمام سياسة تقول شيئًا، وتدين شيئًا آخر، ثم تظل في النهاية واقفة في المكان نفسه!
وهنا نصل إلى أوكرانيا.
إذا كان لألمانيا الحق في تفسير الحرب الروسية الأوكرانية، من وجهة نظر حكومتها، باعتبارها اعتداءً على دولة ذات سيادة، وأن تبني على هذا التفسير سياسة واسعة للدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، فهذا موقف سياسي يمكن مناقشته وتقييمه.
لكن لماذا لا تصبح السيادة مبدأً ثابتًا عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين؟
ولماذا تصبح سلامة الأراضي الأوكرانية قضية أوروبية وأمنية ودولية كبرى، بينما يظل الحديث عن الأرض الفلسطينية محكومًا بعبارات من قبيل «عملية السلام» و«الوضع النهائي» و«المفاوضات المستقبلية»؟
في الرابع من أكتوبر 2026، كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس في كييف ليؤكد للرئيس فولوديمير زيلينسكي استمرار الدعم الألماني لأوكرانيا، وقال إن الحكومة الألمانية ستفعل كل ما تستطيع لمساعدة أوكرانيا حتى تنتهي الحرب.
وهذا موقف واضح.
لكن الوضوح نفسه هو ما يجعل السؤال الفلسطيني أكثر إلحاحًا:
لماذا تكون السيادة مبدأً لا يقبل المساومة في أوكرانيا، بينما تصبح في فلسطين ملفًا مؤجلًا إلى مفاوضات لا يعلم أحد متى تبدأ ولا متى تنتهي؟
ولماذا يصبح الاحتلال في مكان جريمة تستوجب المقاومة الدولية، بينما يصبح الاحتلال في مكان آخر «نزاعًا معقدًا» يحتاج إلى مزيد من الصبر؟
ولماذا يكون تهجير المدنيين جريمة عندما يحدث في أوروبا، بينما يصبح الفلسطيني في بعض مناطق الضفة الغربية مهددًا بفقدان منزله وأرضه ومصدر رزقه، ثم نكتفي بالقلق؟
بل إن الموقف الألماني من الشرق الأوسط يطرح سؤالًا آخر بشأن إيران ولبنان.
ففي تصريحات لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول خلال يونيو 2026، أكدت برلين أن مصالحها تتقاطع مع الولايات المتحدة في مواجهة البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، كما أشار إلى أن بلاده ترى أن المشكلة في لبنان تتمثل أساسًا في حزب الله ودعمه الإيراني. وفي الوقت نفسه، قال إن التصعيد العسكري ليس طريقًا لإسقاط النظام الإيراني.
وهنا مرة أخرى تظهر الحاجة إلى السؤال لا إلى إصدار الأحكام:
إذا كانت الحرب ليست طريقًا إلى تغيير الأنظمة، فلماذا لا يكون منع الحرب هو المبدأ الأول قبل اندلاعها؟
وإذا كان المدنيون الإيرانيون والفلسطينيون واللبنانيون والسوريون يستحقون الحماية نفسها التي يستحقها المدني الأوروبي، فأين هو المعيار الواحد؟
لا أحد يطلب من ألمانيا أن تتخلى عن أمن إسرائيل.
ولا أحد يطلب منها أن تتخلى عن أوكرانيا.
ولا أحد يطلب منها أن تنسى تاريخها.
المطلوب فقط هو شيء أبسط بكثير:
أن يكون الإنسان إنسانًا، أينما ولد.
أن تكون سيادة الدول مبدأً لا يتغير حسب الحليف.
وأن تكون حقوق المدنيين حقوقًا لا تحتاج إلى جواز سفر أوروبي.
وأن تكون الديمقراطية قيمة عالمية، لا نظامًا يعمل بكفاءة في قارة، ثم يدخل في «وضع الانتظار» عندما يصل إلى الشرق الأوسط!
وهنا تعود بنا الذاكرة إلى جدار برلين.
كان الجدار قائمًا، وكان العالم يعرف أنه جدار.
ثم سقط.
لكن العالم، بعد عقود، ما زال يبني جدرانًا أخرى: جدرانًا من الأسمنت، وجدرانًا من الأسلاك، وجدرانًا من الحواجز العسكرية، وجدرانًا من المصالح السياسية، وجدرانًا أخطر من كل ذلك…
جدرانًا من المعايير المزدوجة.
والمفارقة الساخرة أن ألمانيا، التي تحتفل بسقوط جدار برلين، تبدو مطالبة اليوم بأن تجيب عن سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الوحدة الألمانية:
هل تريد أوروبا عالمًا بلا جدران فعلًا، أم عالمًا بلا جدران داخل أوروبا فقط؟
فإذا كانت ذكرى الوحدة الألمانية تعني شيئًا يتجاوز الاحتفال والبروتوكول، فإن أفضل تكريم لها ليس أن نتذكر كيف سقط جدار برلين، وإنما أن نسأل عن الجدران التي لم تسقط بعد.
من جدار برلين إلى جدار غزة، ومن كييف إلى القدس، ومن التاريخ الألماني إلى الحاضر الفلسطيني، يبقى السؤال واحدًا:
هل القيم واحدة؟
هل الديمقراطية واحدة؟
هل حقوق الإنسان واحدة؟
أم أن لحقوق الإنسان، مثل بعض التأشيرات، موعدًا مختلفًا لكل شعب؟!
فيا لها من مفارقة:
ألمانيا تحتفل بسقوط جدار برلين…
والعالم لا يزال يبحث عن الدولة التي تستطيع إسقاط جدار المعايير المزدوجة!



