
أشرف أبو عريف
في مشهدٍ تختلط فيه دفءُ الضيافة بجمال الثقافة، احتضن البيت الروسي بالقاهرة فعاليات مهرجان اللغة والثقافة الروسية «نحن معًا!»، الذي نظمته جامعة أوليانوفسك الحكومية للتربية بالتعاون مع البيت الروسي بالقاهرة، وبدعم من مركز «بوتانيك» للتعليم المستمر، بمشاركة طلاب المدارس والجامعات، والمدرسين، والمهتمين باللغة والثقافة الروسية.
وكان الخبز والملح في استقبال ضيوف المهرجان، وفقًا للتقاليد الروسية العريقة، في صورةٍ رمزية تختصر معنى الترحيب والكرم، وتحوّل الطقس التراثي إلى جسرٍ إنساني بين الثقافتين المصرية والروسية؛ فالخبز ذاكرةُ الأرض، والملح عهدُ المائدة، وكلاهما لغةٌ يفهمها القلب قبل الكلمات.
ويهدف المهرجان إلى تعزيز الاهتمام باللغة الروسية، والتعريف بالثقافة والتاريخ والتقاليد الروسية، من خلال برنامج متنوع يجمع بين اللقاءات التعليمية والأنشطة التفاعلية وورش العمل الإبداعية، بما يتيح للمشاركين الاقتراب من ثراء الثقافات التي تحتضنها روسيا، واكتشاف جوانب جديدة من لغتها وتراثها وتنوعها الحضاري.
وتضمن البرنامج عروضًا تفاعلية ولقاءات تعليمية وورش عمل للأطفال والكبار، من بينها التعرف إلى فن الرسم التقليدي «خوخلوما»، والمشاركة في ورشة «بيريجينيا»، إلى جانب أنشطة ترفيهية ومسابقات وألعاب شعبية روسية جمعت الأطفال والكبار في أجواءٍ من الفرح والتفاعل.
واختُتمت الفعاليات بأنغامٍ من الأغاني الشعبية الروسية، قدمها عازفون منفردون من فرقة «كالينكا» تحت إشراف الفنانة لويزا بليدجيانتس، لتكتمل اللوحة بالموسيقى كما اكتملت بالخبز والملح. كما تعرف المشاركون إلى ملامح من المطبخ الروسي من خلال تذوق «الكارافاي» و**«البليني»** وغيرها من الأطباق التقليدية التي حملت إلى المائدة شيئًا من روح روسيا وذاكرتها الشعبية.
وفي قلب المهرجان، استضاف البيت الروسي بالقاهرة مائدةً مستديرة بعنوان «الحفاظ على التراث الثقافي والترويج له عبر اللغة الروسية»، بمشاركة متخصصين في تدريس اللغة الروسية من البيت الروسي بالقاهرة، وأكاديمية السادات للعلوم الإدارية، وجامعة عين شمس، إلى جانب ممثلين عن جامعة أوليانوفسك الحكومية للتربية.
وناقشت المائدة سبل توظيف اللغة الروسية في الحفاظ على التراث الثقافي والتعريف به، ودور تعليم اللغة في نقل الأدب والفنون والتاريخ والتقاليد والقيم الثقافية، فضلًا عن تبادل الخبرات بشأن أساليب تدريس اللغة الروسية لغير الناطقين بها، وأهمية تعزيز البعد الثقافي في العملية التعليمية، بما يساعد الطلاب على فهم اللغة في سياقها الحضاري، لا باعتبارها كلماتٍ وقواعد فحسب، وإنما نافذةً على شعبٍ وثقافةٍ وذاكرة.
ورحب الدكتور فاديم زايتشيكوف، مدير المراكز الثقافية الروسية في مصر، بالمشاركين في المهرجان، مشيدًا بدور جامعة أوليانوفسك الحكومية للتربية في دعم تعليم اللغة الروسية في مصر، ومؤكدًا أهمية التعاون المستمر بين المؤسسات التعليمية والثقافية في البلدين.
وتتواصل فعاليات «نحن معًا!» في عدد من المدن المصرية، حيث من المقرر تنظيم أنشطة المهرجان قريبًا في مركز «بوتانيك» بمنطقة الشيخ زايد برئاسة داريا ماتسوك، بما يسهم في توسيع دائرة التبادل الثقافي والتعليمي، وتعزيز جسور التواصل بين الشباب المصري والروسي.
وهكذا لم يكن المهرجان مجرد احتفاءٍ بلغةٍ وثقافة، بل كان موعدًا تلاقت فيه الكلمات مع الموسيقى، والتراث مع الحاضر، والمائدة مع الذاكرة؛ وكان الخبز والملح، قبل أن تبدأ الكلمات، أولَ رسالةٍ تقول: إن الصداقة بين الشعوب قد تبدأ أحيانًا من رغيفٍ وذرةِ ملح، ثم تكبر لتصبح لغةً مشتركةً ومساحةً رحبةً للحوار والمحبة.



