
حقاً.. كان الرئيس الراحل محمد أنور السادات سابقاً لعصره بمسافات طويلة؛ صقراً يحلّقُ بعيداً خارج أسراب زمانه، ينظرُ برؤيا العرّاف الحكيم إلى ما وراء حجب المستقبل وموازين القوى.
فيا ليت العرب والسلطة الفلسطينية تقبّلوا اتفاق مبادئ كامب ديفيد عام 1978، وأيّدوا واجتمعوا على ما جاء به من مبادئ وركائز لبدء مرحلة جديدة وفارقة في مسار الصراع العربي والإسرائيلي؛ ولا سيما مشروع الحكم الذاتي لمدة خمس سنوات، والتي كان مُقرراً خلالها التفاوض المباشر مع إسرائيل وصولاً إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية الفلسطينية وإقامة الدولة.
لكنّ الدول العربية والسلطة الفلسطينية — باستثناء موقف شجاع ومتبصر من السودان وسلطنة عمان — بدلاً من التجاوب مع هذه الفرصة التاريخية، اتهموا السادات بالخيانة، واتخذوا قراراً بقطع العلاقات السياسية والاقتصادية مع مصر لمدة ثماني سنوات عجاف..
ولم يبالِ السادات بحملات التشكيك، ولم يثنِهِ الجفاء؛ بل واصل جهوده الوطنية المخلصة من أجل تحرير سيناء، وعقد الاتفاق الثنائي مع إسرائيل عام 1979، والذي أدّى بعد مباحثات سياسية ودبلوماسية شاقة استمرت سنوات إلى استرداد كامل التراب الوطني في سيناء ورفع العلم المصري على طابا عام 1982.
آهٍ.. ليت العرب والفلسطينيين تجاوبوا حينها مع رؤية ومجهودات السادات لتحقيق السلام واستعادة الأرض المحتلة؛ فقد كانوا بالتأكيد — وخلال هذه السنوات الممتدة من كامب ديفيد وحتى الآن (نحو 48 سنة) — سيحققون نتائج أفضل بكثير من الحالة الكارثية التي وصلت إليها الأوضاع اليوم بالنسبة للقضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة.
وطوال هذه العقود، ناضل الأشقاء بالبيانات الصحفية والخطب الرنانة الفارغة من أي فعل ميداني أو سياسي مؤثر؛ ولنتأمل جميعاً حال المنطقة الآن: كيف أضحى حال الدول العربية؟ وماذا بقي مما كان يُسمى بالقضية الفلسطينية وحل الدولتين؟ وكيف أصبحت القدس الشريف تحت وطأة الأمر الواقع؟
لقد رحل صاحب الرؤية وظلت حكمته شاهده على الزمن.. حفظ الله مصر حصناً عزيزاً ووطناً آمناً.



