
أشرف أبو عريف
زيارة دولة تاريخية تعزّز جسور القاهرة وكوالالمبور.. تعاون سياسي واقتصادي وصناعي، وتنسيق إقليمي ودولي، وشراكة تتطلع إلى تحويل الصداقة الممتدة إلى فرص تنموية مشتركة.
وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ماليزيا يوم الجمعة ٩ أكتوبر ٢٠٢٦، في زيارة دولة استمرت يومين، بدعوة من السلطان إبراهيم، ملك ماليزيا، في محطة دبلوماسية تستهدف دفع العلاقات المصرية الماليزية إلى مرحلة أكثر اتساعًا في التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري. وتمثل الزيارة أول زيارة دولة للسيسي إلى ماليزيا منذ توليه الرئاسة في يونيو ٢٠١٤.
وجاءت الزيارة في سياق العلاقات التاريخية التي تجمع البلدين، وما تمتلكانه من ثقل إقليمي، وروابط ثقافية وتعليمية، ومصالح مشتركة تتيح توسيع التعاون بين العالم العربي وجنوب شرق آسيا.
أولًا: استقبال ملكي ومراسم دولة تعكس عمق العلاقات
في ١٠ أكتوبر، استقبل السلطان إبراهيم، ملك ماليزيا، الرئيس السيسي في القصر الوطني «إستانا نيجارا» بالعاصمة كوالالمبور، بحضور رئيس الوزراء أنور إبراهيم وعدد من كبار المسؤولين الماليزيين.
وشهد الاستقبال مراسم رسمية شملت عزف النشيدين الوطنيين المصري والماليزي، واستعراض حرس الشرف، وإطلاق ٢١ طلقة تحيةً رسمية، قبل أن يوقّع الرئيس السيسي سجل كبار الزوار ويلتقي أعضاء الوفد الماليزي وعددًا من السفراء العرب والأفارقة المشاركين في المناسبة.
وفي لفتة تعكس مستوى التقدير الرسمي للزيارة، منح ملك ماليزيا الرئيس السيسي وسام التاج الملكي للبلاد، وهو أعلى تكريم رسمي ماليزي، تقديرًا للعلاقات بين البلدين. كما وجّه السيسي دعوة إلى السلطان إبراهيم لزيارة مصر، بما يفتح المجال أمام مواصلة المشاورات والاتصالات على أعلى المستويات.
ثانيًا: قمة السيسي وأنور إبراهيم.. من الصداقة التاريخية إلى الشراكة الاستراتيجية
عقد الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم اجتماعًا ثنائيًا في مقر رئاسة الوزراء «سيري بردانا» بمدينة بوتراجايا، أعقبته مباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين، تناولت مسارات التعاون الثنائي وتطورات القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وأكد الجانبان أهمية البناء على الزخم الذي تشهده العلاقات، وتطويرها بما يخدم مصالح الشعبين المصري والماليزي، مع تحويل التفاهمات السياسية إلى برامج عملية للتعاون في مختلف المجالات. وشهد ختام المباحثات تبادل عدد من مذكرات التفاهم، ثم عقد مؤتمر صحفي مشترك استعرض خلاله السيسي أبرز نتائج الزيارة.
وتكتسب هذه المحادثات أهميتها من كونها تأتي بعد إقرار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في نوفمبر ٢٠٢٤، لتمنح الزيارة فرصة جديدة لتحديد مجالات تنفيذها وتوسيع نطاقها. وقد سبقت الزيارةَ مشاوراتٌ ولقاءاتٌ تمهيدية تناولت آفاق تطوير العلاقات الثنائية.
ثالثًا: الاقتصاد والصناعة والطاقة.. شراكة تبحث عن فرص النمو
احتل التعاون الاقتصادي والتجاري والصناعي مكانة بارزة في أجندة الزيارة، إذ أكد الرئيس السيسي وجود إمكانات واسعة لمضاعفة الاستفادة من القدرات الإنتاجية والتكنولوجية لدى البلدين.
وحدد الرئيس المصري مجموعة من القطاعات ذات الأولوية، تشمل:
- الطاقة الجديدة والمتجددة: توسيع مجالات التعاون في مشروعات الطاقة النظيفة والاستفادة من الخبرات المتبادلة.
- الصناعة: تعزيز الروابط بين الشركات المصرية والماليزية واستكشاف فرص الإنتاج المشترك.
- الإلكترونيات: دعم التعاون في الصناعات التكنولوجية وسلاسل الإمداد المرتبطة بها.
- الزراعة والصناعات الغذائية: تطوير التعاون الإنتاجي والتجاري وفتح آفاق أوسع لتبادل الخبرات.
- الاستثمار والتجارة: تهيئة المجال أمام الشركات والمستثمرين للاستفادة من الفرص المتاحة في السوقين.
وفي الجانب الصناعي، اطّلع الرئيس السيسي وأنور إبراهيم على عدد من سيارات «بروتون ساجا» والدراجات النارية، واستمعا إلى عروض من مسؤولين تنفيذيين بشركتي «بروتون» و«موديناس»، إلى جانب ممثلي مجموعة «دي آر بي-هيكوم».
وتبرز هذه الجولة الصناعية اهتمام الجانب المصري بالتجربة الماليزية في صناعة السيارات والدراجات النارية، وبحث إمكانات الاستفادة من الخبرات الصناعية الماليزية في تطوير الإنتاج والتكنولوجيا ونقل المعرفة. غير أن هذا الاهتمام لا يعني، في حد ذاته، الإعلان عن اتفاق محدد لتصنيع تلك المركبات في مصر؛ إذ لم يرد ذلك في البيان الرسمي المنشور عن اللقاء.
رابعًا: الأزهر الشريف والتعليم الديني.. جسر من الاعتدال بين البلدين
لم تقتصر الزيارة على الملفات السياسية والاقتصادية، بل امتدت إلى التعاون الديني والثقافي، باعتباره أحد المكونات المهمة للعلاقات المصرية الماليزية.
وأكد السيسي خلال المؤتمر الصحفي أهمية تدريب الدعاة على ترسيخ الوسطية والاعتدال والفهم المتوازن للدين، مشيرًا إلى الدور التاريخي للأزهر الشريف، الذي يستقبل طلابًا من مختلف دول العالم، ومن بينها ماليزيا.
وأعلن استعداد مصر لزيادة أعداد الطلاب الماليزيين الدارسين بالأزهر، وكذلك استقبال الدعاة والمعلمين الماليزيين، بما يعزز التبادل العلمي والديني ويدعم التواصل بين المؤسسات التعليمية في البلدين.
ويمثل هذا المسار فرصة لتوسيع المنح الدراسية والتبادل الأكاديمي، وتعزيز الروابط بين المجتمعات، إلى جانب التعاون في مواجهة خطاب التطرف من خلال المعرفة والحوار والتأهيل العلمي.
خامسًا: فلسطين وغزة.. توافق على الحل العادل ورفض التهجير
حظيت القضية الفلسطينية بمكانة مركزية في مباحثات الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الماليزي، في ظل استمرار التحديات الإنسانية والسياسية التي تواجه الشعب الفلسطيني.
وأكد السيسي وأنور إبراهيم، وفقًا لما ورد في كلمة الرئيس المصري، ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، بما يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من يونيو ١٩٦٧، وعاصمتها القدس الشرقية.
كما شدد الرئيس المصري على:
- ضمان دخول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بصورة كاملة ومستدامة.
- رفض التهجير القسري للشعب الفلسطيني أو تغيير التركيبة السكانية للأراضي الفلسطينية أو تجزئتها.
- ضرورة حماية الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية.
- دعم الجهود الرامية إلى وقف التصعيد وتهيئة الظروف لتحقيق سلام دائم.
وأشاد السيسي بالموقف الماليزي الداعم للقضية الفلسطينية والتزام ماليزيا بتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الفلسطيني.
ويعكس هذا الجانب من الزيارة تقاطعًا في المواقف المعلنة للبلدين بشأن ضرورة معالجة جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وربط الاستقرار الإقليمي بحل سياسي عادل يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني.
سادسًا: الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.. الدبلوماسية في مواجهة الأزمات
ناقش الرئيسان كذلك التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، والأوضاع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، مع التأكيد على أهمية خفض التصعيد وإعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية والسياسية.
وشدد السيسي على أن التسويات السياسية الشاملة تمثل السبيل الضروري لإنهاء الأزمات، مؤكدًا ضرورة احترام القانون الدولي وسيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط أمن البحر الأحمر والممرات البحرية باستقرار التجارة الدولية، وإلى ما تفرضه الأزمات الإقليمية من تحديات اقتصادية وإنسانية وأمنية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن توفر الشراكة المصرية الماليزية إطارًا لتبادل وجهات النظر وتعزيز التنسيق في المحافل الدولية، وإن كانت البيانات المنشورة لا تثبت إنشاء آلية أمنية جديدة أو إبرام اتفاق دفاعي خلال الزيارة.
سابعًا: لجنة مشتركة في الربع الأول من ٢٠٢٧.. الاختبار الحقيقي للتفاهمات
من أبرز النتائج العملية التي أعلنها الرئيس السيسي الاتفاق على إحالة الملفات والتفاهمات التي تناولتها المباحثات إلى اللجنة المشتركة بين مصر وماليزيا، المقرر أن تجتمع خلال الربع الأول من عام ٢٠٢٧.
وستتيح اللجنة، بحسب كلمة الرئيس، متابعة القضايا المتفق عليها، وبحث مجالات التعاون ذات الأولوية، والعمل على تطوير العلاقات في القطاعات الاقتصادية والصناعية والتعليمية وغيرها.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن نجاح الشراكة لا يقاس فقط بعدد اللقاءات أو مذكرات التفاهم الموقعة، وإنما بقدرة المؤسسات المعنية على ترجمة التفاهمات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وجداول زمنية واضحة، وفرص عمل واستثمار وتبادل تجاري ملموس.
ثامنًا: ماذا تعني الزيارة لمستقبل العلاقات المصرية الماليزية؟
يمكن قراءة الزيارة في إطار ثلاثة مسارات مترابطة:
١. المسار السياسي: توثيق الاتصالات على مستوى القيادة، وتوسيع التنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية، وتأكيد دور الحوار في احتواء الأزمات.
٢. المسار الاقتصادي: توجيه الاهتمام نحو الطاقة والصناعة والإلكترونيات والزراعة والصناعات الغذائية، بما يتيح بناء مشروعات وشراكات بين القطاع الخاص والمؤسسات المعنية.
٣. المسار الثقافي والتعليمي: تعزيز التعاون مع الأزهر الشريف، وزيادة فرص الدراسة والتبادل العلمي، والاستفادة من الروابط الدينية والثقافية في تقوية العلاقات بين الشعبين.
لكن النتائج طويلة الأجل ستظل مرتبطة بمدى تنفيذ الاتفاقات والتفاهمات المعلنة، وحجم الاستثمارات الجديدة، والتقدم الذي تحرزه اللجنة المشتركة، وقدرة المؤسسات في البلدين على تجاوز التحديات التجارية واللوجستية وتحويل الفرص المتاحة إلى نتائج قابلة للقياس.
الخلاصة: من لقاء القادة إلى صناعة المستقبل
اختتمت زيارة الدولة المصرية إلى ماليزيا يومي ٩ و١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ برسالة واضحة مفادها أن القاهرة وكوالالمبور تسعيان إلى الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى أوسع من التنسيق السياسي والتعاون الاقتصادي والتواصل الثقافي.
فمن مراسم الاستقبال الملكي ومنح وسام التاج الملكي، إلى المباحثات الثنائية ومذكرات التفاهم، ومن فرص التعاون في الصناعة والطاقة إلى المواقف المشتركة بشأن فلسطين والأزمات الإقليمية، رسمت الزيارة ملامح مرحلة جديدة من العلاقات.
إن التحدي المقبل هو الانتقال من دفء العلاقات إلى حصاد الشراكة: مشروعات تنفذ، واستثمارات تنمو، وتبادل علمي يتسع، وتنسيق سياسي يترجم التفاهم إلى أثر ملموس.
فبين النيل وحدائق ماليزيا، لا تُقاس قوة الجسور الدبلوماسية بجمال اللقاءات وحده، بل بما تحمله من فرص لشعوب البلدين، وما تفتحه من نوافذ نحو مستقبل أكثر تعاونًا واستقرارًا وازدهارًا.



