رأىسلايدر

خواطر دبلوماسى | بين الوحي المقدس والاجتهاد البشري: في ضرورة تحرير العقل الفقهي

Listen to this article
يقودنا التدبر في أطروحات ثقات من أساتذة الفكر والدين إلى التمييز الدقيق بين التنزيل والاجتهاد، وبين النص وإدراكه. إن التخالط المعرفي والخلط الشائع بين الثابت المتسامي والمتغير البشري يستدعي الوقوف عند خماسية رئيسية تشكل بوصلة الوعي الإسلامي: القرآن، السنة، الفقه، العقل، والقانون.

أولاً: القرآن الكريم والحكم الشرعي

القرآن الكريم هو وحي الله الصريح والـمُوحَى به لنبيه محمد ﷺ بفريد ألفاظه ومعانيه؛ جاء هدايةً للإنسان، وتحقيقاً لمصالحه، وإعماراً للأرض. إنه النص المقدس، الثابت الوحيد الذي لا جدال حوله ولا تنازع في قطعيته. أما “الحكم الشرعي” الناجز والواجب الاتباع مطلقاً، فهو ما ورد في النصوص قطعية الدلالة، وهي نصوص محدودة حكمةً من الله لتتسع الشريعة لمتغيرات الأعصار والأمصار.

ثانياً: الفقه والحكم الفقهي.. حدود الاجتهاد

إذا كان القرآن معصوماً، فإن “الفقه” هو علم تفسير آياته واستنباط أحكامه باجتهادٍ بشري. ومن ثَمَّ، فإن “الحكم الفقهي” ليس سوى فهم الفقيه لخطاب الله، وهو فهم لا يحمل أي درجة من القداسة.
يبدأ الفقيه بحثه في القرآن والسنة الصحيحة، فإن لم يجد حكماً صريحاً استعان بالقياس والأدوات العقلية كالإستحسان، مُفرقاً بين العبادات (التي أصلها التوقيف) والمعاملات (التي أصلها المصلحة ورعاية الواقع). ودور العالم هنا هو البيّان والتوضيح، لا الإلزام أو الفرض؛ فللعموم حق اختيار ما يتلاءم مع ظروف حياتهم.
وقد تتطور الفقه وتجدد عبر التاريخ اتساقاً مع سنة التدرج والتحول، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: 14]. وما مئات التفاسير والمدارس الفقهية إلا نتاج لبيئاتها وتكوين أصحابها النفسي والثقافي والاجتماعي. فقد ورد عن الأئمة الأربعة آراء متعددة في المسألة الواحدة؛ فها هو الإمام أبو حنيفة يرجع عن كثير من اجتهاداته قائلاً: “هذا رأيي، وهذا أحسن ما رأيت، فمن جاء برأي خير منه قبلناه”. وها هو الإمام الشافعي يصيغ مذهبين مختلفين (القديم في العراق والجديد في مصر)، إدراكاً منه لتغير مصالح الناس، وصاحب القول المشهور: “قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب”. كما أثر عن الإمام علي كرم الله وجهه قوله عن القرآن: “إن القرآن حمال أوجه”.
وحين أرسى الإمام الشافعي علم أصول الفقه في القرن الثالث الهجري، وضع قواعد ومقاصد كليّة تُحدد مسار الاجتهاد، مثل: (تقديم المصلحة العامة على الخاصة، الأعمال بمقاصدها، الوسائل تأخذ أحكام الغايات، المشقة تجلب التيسير، ولا ضرر ولا ضرار).
إن المطالبة بتنقيتها وتجديدها -التي يراها بعض العلماء “فرض عين”- واجهت عبر التاريخ مقاومة من أصحاب المصالح الراغبين في تقييد العقول بفقه السلف، مما أدى إلى اضطهاد مفكرين ومجددين عبر التاريخ؛ بدءاً من ابن رشد، مروراً بابن تيمية في سجاله الفقهي والسياسي، وصولاً في تاريخنا المعاصر إلى علي عبد الرازق وطه حسين وفرج فودة.

ثالثاً: السنة المشرفة وإشكالية التدوين

تحتل السنة النبوية المطهرة مكانة المصدر الثاني للشريعة، ويرتبط بها وجدان المسلمين محبةً واقتداءً بآثار النبي ﷺ وآل بيته. إلا أن الجدل القائم حول “صحة الأحاديث وتنقيتها” لا يمت بصلة إلى إنكار السنة.
فالتدوين المنهجي للحديث (كما عند الإمام البخاري) بدأ بعد نحو قرنين ونصف من الوفاة النبوية، بعد أن كان التدوين محظوراً في البدايات لحفظ النص القرآني. يضاف إلى ذلك ما أفرزته الصراعات السياسية على الخلافة من وضعٍ للأحاديث وتسللٍ للإسرائيليات ودعايات السلطة. إن نقد وتنقيح المرويات البشرية لا يُقلل من الجهد المخلص لمن جمعوها في زمنهم، بل يُعيد الأمور إلى نصابها: فلا قداسة لأحدٍ سوى صاحب الرسالة ﷺ.

رابعاً: العقل والنقل.. تكريم الإنسان وحرية الاختيار

أمر الله عز وجل بإعمال العقل وجعله مناط التكليف والمسؤولية: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]، وقيل في الأثر: “استفتِ قلبك وإن أفتوك الناس”.
إن الله الذي كرم الإنسان بالعقل ووهبه حرية الاختيار سيحاسبه على خياراته الذاتية لا على ما اختاره له الفقهاء. ومادمنا قد عرفنا الله بالعقل، فلا يصح تعطيله واستبداله بالاتباع الأعمى. وكما قال ابن الجوزي: “نحن عرفنا الله بالعقل، فلا يجوز أن نوقفه بعد أن عرفنا الله به”.
وظيفة الفقيه هي العرض والتبيين وليس الوصاية، اتساقاً مع المحكم القرآني: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. وإن الغياب الراهن للعقل العربي يتجلى في ارتهانه للتراث وتطبيقه بصورة آلية على واقع مغاير، رغم أن النشأة الأولى للفرق والمذاهب (كالخوارج والشيعة والمعتزلة) كانت في جزء كبير منها نتاج مواقف وصراعات سياسية على الحكم.

خامساً: من الفقه إلى القانون

ختاماً، يتجلى “القانون” كصياغة مدنية وتنظيمية يُوافق عليها المجتمع اختياراً من بين تعدديات الأحكام الفقهية، مراعاةً للمصلحة العامة. وإن دور ولي الأمر والمُشرّع يكمن في التوفيق بين كافة مكونات المجتمع عند ترجمة الفقه المترامي إلى قانونٍ مُلزم، ليتحول الفقه من اجتهادات فردية متغيرة إلى إطار قانوني يحقق العدالة ويكفل استقرار الجمع العام.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى