فى ذكراها الأولى… مَنْ قَتَلَ غَزَّة؟! أين «تحالف مكة» لإنقاذ فلسطين.. أم أن دم المسلم أرخص من كرسي السلطة؟!

رئيس التحرير يكتب
في الذكرى الأولى لإحياء الجامعة العربية ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، يطلّ السؤال الأكثر وجعًا: مَنْ قَتَلَ غَزَّة، ومَنْ ترك الجريمة تستمر؟! وماذا لو وُلد «تحالف مكة» بإجماع عربي إسلامي يوحّد الصفوف لإنقاذ فلسطين، بدلًا من أن يقتل العربي أخاه، والمسلم أخاه، وتظل غزة تنزف ثلاث سنوات تحت أنظار العالم؟
«تحالف مكة»… ماذا لو اجتمع العرب والمسلمون لإنقاذ غزة بدلًا من الاقتتال فيما بينهم؟!
في مثل هذا اليوم، ماذا لو وُلد «تحالف مكة» بإجماع عربي إسلامي حقيقي، لا ليهدد أحدًا، ولا ليشعل حربًا إقليمية جديدة، بل ليمنع الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني، ويحمي الأطفال والنساء والمدنيين، ويجعل وقف نزيف الدم في غزة هدفًا مشتركًا لا يقبل المساومة؟!
ماذا لو اجتمعت إرادة العرب والمسلمين، على اختلاف أنظمتهم ومذاهبهم وحساباتهم السياسية، وقرروا أن تكون حماية الإنسان الفلسطيني خطًا أحمر، وأن تُسخَّر ثقلهم الدبلوماسي والاقتصادي والقانوني والإنساني لوقف الكارثة التي امتدت على مدار ثلاث سنوات، منذ أكتوبر 2023؟
ماذا لو تحولت مكة المكرمة، بما تمثله من مكانة جامعة في وجدان المسلمين، إلى رمز لإجماع تاريخي يضع حدًا للانقسام، ويعيد الاعتبار لمعنى الأخوة، ويؤكد أن دم الفلسطيني ليس أقل قيمة من دم أي إنسان على وجه الأرض؟!
ألم يكن أجدر بالعالم العربي والإسلامي أن يوحّد جهوده لحماية غزة، بدلًا من أن تستنزف بعض دوله وشعوبه طاقاتها في صراعات داخلية، وأن يقتل العربي أخاه العربي، ويرفع المسلم سلاحه في وجه المسلم، بينما تستغيث العائلات الفلسطينية تحت القصف، وتبحث عن الماء والدواء والمأوى؟
أيُّ مفارقة أكثر مرارة من أن تتفرق كلمة الأمة أمام مأساة تجمعها على رفضها، وأن تتبدد طاقاتها في النزاعات، بينما كان يمكن لتنسيقها أن يصنع ضغطًا دوليًا أكبر، وممرات إنسانية أكثر استدامة، وجهدًا قانونيًا أكثر فاعلية، وموقفًا سياسيًا يصعب تجاهله؟!
لسنا هنا بصدد الجزم بأن تحالفًا كهذا كان سيوقف الحرب حتمًا؛ فذلك يتوقف على قرارات أطراف متعددة، وعلى موازين القوة والمواقف الدولية. لكن المؤكد أن إجماعًا عربيًا إسلاميًا حقيقيًا، مقرونًا بإجراءات عملية ومستدامة، كان يمكن أن يعزز فرص حماية المدنيين، ويرفع كلفة استمرار الانتهاكات، ويضيّق مساحة الإفلات من المساءلة.
كان يمكن لـ«تحالف مكة» الافتراضي أن يقوم على خمسة التزامات واضحة:
- وقف الحرب وحماية المدنيين عبر تحرك دبلوماسي منسق وضغط دولي متواصل.
- تأمين الإغاثة بلا عوائق، وضمان وصول الغذاء والدواء والوقود، وإعادة تأهيل المستشفيات.
- توحيد المسار القانوني لدعم التحقيقات المستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون الدولي.
- رفض التهجير القسري وصون الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.
- تسوية الخلافات العربية والإسلامية بالوسائل السلمية بدلًا من تحويل الشعوب إلى وقود لصراعات لا تنتهي.
وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كانت مكة تجمع المسلمين في الصلاة، فلماذا لا يجمعهم وجع فلسطين على موقف عملي؟ وإذا كانت الأخوة عقيدةً وقيمةً وشعارًا، فلماذا لا تصبح أيضًا سياسةً تحمي الحياة وتمنع إراقة الدماء؟
يا سادة، ليس المطلوب أن يتقاتل العرب والمسلمون مع أحد، بل أن يتوقفوا عن الاقتتال فيما بينهم، وأن يوظفوا قوتهم لمنع قتل الأبرياء. وليس المطلوب فتح جبهات جديدة، بل إغلاق أبواب الموت، وفتح أبواب النجاة والعدالة.
فكم من دماء عربية وإسلامية أُريقت في حروب داخلية، وكم من أموال وطاقات استنزفتها الخصومات، وكم من فرص ضاعت بسبب الانقسام؟ وماذا لو وُجّه جزء من هذه الطاقات إلى حماية الإنسان، وإغاثة الملهوف، وإعادة إعمار ما دمرته الحرب؟
أليس إنقاذ طفل فلسطيني أولى من إشعال حرب جديدة؟ أليست حماية دم المسلم أسمى من انتصار فصيل على فصيل، أو دولة على دولة؟ وأليست وحدة الموقف في مواجهة الظلم أجدى من انقسام يضاعف ضعف الجميع؟!
إن «تحالف مكة» ليس اسمًا لتحالف قائم نعلن عن تأسيسه، بل فكرة افتراضية نطرحها أمام الضمير العربي والإسلامي: تحالفٌ للحياة لا للموت، وللإغاثة لا للحصار، وللعدالة لا للانتقام، ولتسوية النزاعات لا لتغذيتها.
فلو اجتمع العرب والمسلمون على حماية غزة، لما ضمنوا وحدهم نهاية المأساة، لكنهم كانوا سيمنحون الأخوة معنى عمليًا، ويبعثون برسالة لا لبس فيها: أن دم الفلسطيني ليس مباحًا، وأن دم العربي ليس رخيصًا، وأن دم المسلم لا ينبغي أن يصبح وقودًا لصراعات أخيه المسلم.
تُضاف الفقرة التالية إلى المقال، بعد الحديث عن «تحالف مكة» والتحرك العربي والإسلامي:
مصر وصوت الحكمة… الحوار الدبلوماسي قبل انفجار الإقليم
ولا بد من استثمار صوت مصر وثقلها الإقليمي والدولي في إعلاء فلسفة الحوار الدبلوماسي، وتكثيف جهود الوساطة، والتحذير من اتساع رقعة الحرب وانزلاق المنطقة إلى مواجهات أوسع يدفع المدنيون ثمنها. فالقاهرة، بما تملكه من خبرة دبلوماسية وقنوات اتصال مع أطراف متعددة، تستطيع أن تواصل الدفع نحو وقف التصعيد، وحماية الشعب الفلسطيني، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، ورفض التهجير القسري، وإحياء المسار السياسي القائم على إنهاء الاحتلال وتحقيق السلام العادل.
فالقوة الحقيقية ليست في إشعال الحروب، بل في منعها؛ وليست في توسيع دائرة الدم، بل في إغلاق أبوابها بالحوار والحكمة والضغط الدبلوماسي الفاعل. ومن هنا، فإن «تحالف مكة» المنشود ينبغي أن يجعل من الدور المصري ركيزةً لتنسيق عربي إسلامي يحمي غزة، ويمنع اتساع الصراع، ويحوّل التضامن من بيانات متفرقة إلى موقف جماعي قادر على التأثير.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صاحب قرار: بعد ثلاث سنوات من نزيف الدم، هل نحتاج إلى مزيد من القمم والبيانات، أم إلى إرادة تجعل من التضامن قوةً، ومن الأخوة مسؤوليةً، ومن حماية الإنسان أولويةً لا تتقدم عليها الحسابات الضيقة؟
مكة تجمعنا… فلماذا تفرّقنا الحروب؟ وغزة تستغيث… فمتى ينتصر صوت الحياة؟!



