رئيس التحريرسلايدر

الرئيس في 11 عامًا من التحذير والحكمة: من شبح الحرب النووية إلى جسور السلام.. مصر تدعو العالم إلى الدبلوماسية وَحُرْمَةِ الدَّمِ وحوار الأديان

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

 

 

على امتداد أكثر من عقد، ظل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يؤكد أن الحروب لا تصنع استقرارًا، وأن اتساع رقعة الصراعات يهدد أمن المنطقة والعالم، وأن الدبلوماسية والحوار واحترام سيادة الدول تظل الطريق الأكثر حكمة لتجنب الكوارث الإنسانية والاستراتيجية. وفي منطقة تتشابك فيها الأزمات، وتتقاطع فيها المصالح الدولية، وتتزايد فيها مخاطر الانزلاق إلى مواجهة أوسع، تكتسب التحذيرات المصرية أهمية تتجاوز حدود الجغرافيا، لتلامس مستقبل الأمن والسلم الدوليين.

إن قراءة المواقف المصرية منذ عام 2015 تكشف عن رؤية تقوم على الحفاظ على الدولة الوطنية، ورفض الفوضى، وتغليب الحلول السياسية، والتحذير من أن الحروب إذا خرجت عن السيطرة فلن يكون بمقدور أحد احتواء نتائجها بسهولة. ولا يعني ذلك أن كل أزمة كانت حتمية أو أن الحرب العالمية الثالثة باتت قدرًا محتومًا؛ بل إن جوهر التحذير هو منع السيناريو الأخطر قبل أن يتحول إلى واقع، ولا سيما في عالم يمتلك أسلحة نووية قادرة على إلحاق دمار يتجاوز حدود الدول المتحاربة.

أولًا: إحدى عشرة سنة من التحذير.. استشراف المخاطر قبل انفجارها

منذ توليه المسؤولية، واجه الرئيس السيسي إقليمًا مثقلًا بتداعيات انهيار دول، وصراعات مسلحة، وإرهاب عابر للحدود، وتدخلات خارجية، وأزمات اقتصادية وإنسانية متلاحقة. وفي هذا السياق، ارتكز الخطاب المصري على ضرورة حماية مؤسسات الدولة، وصون وحدة أراضيها، ورفض تحويل الخلافات السياسية إلى صراعات مسلحة مفتوحة.

لم تكن هذه الرؤية منفصلة عن التجربة المصرية مع اضطرابات المنطقة؛ فالقاهرة تدرك أن انهيار مؤسسات الدول لا يظل حبيس حدودها، بل قد يفتح أبوابًا للهجرة القسرية، وانتشار الجماعات المتطرفة، وتهريب السلاح، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، وتهديد أمن الدول المجاورة.

ومن هنا، ظل الموقف المصري يربط بين الأمن والاستقرار والتنمية، ويرى أن معالجة جذور الأزمات أكثر جدوى من الاكتفاء بإدارة نتائجها، وأن الحلول العسكرية مهما حققت من مكاسب آنية لا تستطيع وحدها بناء سلام دائم.

والأهم أن التحذير من اتساع الحروب لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره توقعًا حتميًا لحرب عالمية، وإنما باعتباره دعوة إلى التحرك المبكر؛ فالحكمة السياسية لا تُقاس فقط بالقدرة على التعامل مع الكارثة بعد وقوعها، بل كذلك بالقدرة على منع وقوعها.

ثانيًا: الشرق الأوسط.. رقعة نار لا تحتمل مزيدًا من الوقود

تتوالى الأزمات في الشرق الأوسط وسط تداخل غير مسبوق بين الحسابات الإقليمية والمصالح الدولية. وتكمن الخطورة في أن الحرب قد تبدأ بقرار محدود، ثم تتسع بفعل الردود المتبادلة وسوء التقدير وتعدد الأطراف، حتى تصبح كلفة التراجع أعلى من كلفة الاستمرار في التصعيد.

وفي ظل هذه البيئة، لا يمكن النظر إلى أي مواجهة بمعزل عن تداعياتها على الملاحة الدولية، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، والاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن أرواح المدنيين الذين يدفعون الثمن الأكبر.

إن اتساع نطاق الصراع لا يهدد الدول المتحاربة وحدها؛ بل قد يجر أطرافًا أخرى إلى المواجهة، ويضع المؤسسات الدولية أمام اختبار صعب، ويضاعف مخاطر الحسابات الخاطئة. وإذا دخلت الأسلحة النووية إلى معادلة الصراع، فإن النتائج قد تتجاوز كل قدرة على التوقع أو الاحتواء.

هنا تتجلى أهمية التحذير المصري: لا يجوز أن تتحول المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، ولا أن يصبح أمن الشعوب رهينة لقرارات التصعيد والمغامرة. فالقوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب، وإنما في امتلاك الإرادة السياسية لإيقافها قبل أن تبتلع الجميع.

ثالثًا: نماذج ليبيا والسودان واليمن ولبنان وسوريا والعراق وأفغانستان.. دروس لا يجوز تجاهلها

إن نماذج ليبيا والسودان واليمن ولبنان وسوريا والعراق وأفغانستان، وغيرها من بؤر الصراع، تكفي وحدها لتدق ناقوس الخطر، وتؤكد أن الحروب لا تنتهي بالضرورة عند حدود أهدافها المعلنة، وأن التدخلات الخارجية والصراعات الداخلية وتغليب السلاح على الحوار قد تترك دولًا كاملة أمام سنوات من الانقسام والدمار والنزوح واستنزاف مقدرات الشعوب. ففي كل تجربة من هذه التجارب خصوصيتها وتفاصيلها، لكن القاسم المشترك بينها هو الثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون عندما تتراجع فرص التسوية السياسية، وتتقدم حسابات القوة على مصالح الأوطان.

ليبيا التي عانت انقسام المؤسسات والصراع المسلح، والسودان الذي يواجه مأساة إنسانية مروعة، واليمن الذي طال أمد معاناة شعبه، ولبنان الذي أثقلت أزماته المتراكمة كاهل الدولة والمجتمع، وسوريا التي دفعت ثمنًا هائلًا من دماء أبنائها وعمرانها، والعراق الذي عرف عقودًا من الحروب والاضطرابات، وأفغانستان التي عاشت عقودًا من النزاعات والتدخلات؛ كلها شواهد على أن تدمير الدول أسهل بكثير من إعادة بنائها، وأن استعادة الثقة الوطنية قد تستغرق أجيالًا.

ولا يعني استحضار هذه النماذج اختزال أسباب أزماتها المختلفة في عامل واحد، أو تجاهل مسؤوليات الأطراف المحلية والخارجية؛ بل يعني استخلاص الدرس الأهم: لا وصاية خارجية تصنع سلامًا مستدامًا، ولا سلاح يحل وحده جذور الخلاف، ولا تسوية تستقيم إذا غابت عنها إرادة أبناء الوطن وحقوقهم ومشاركتهم الحقيقية.

كفى شعوب المنطقة نزفًا وتهجيرًا وفقدًا للأبناء، وكفى العالم تكرارًا للأخطاء ذاتها تحت شعارات تتبدل بينما تبقى المأساة واحدة. إن الطريق الأجدر هو دعم الحوار الوطني، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ووقف التدخلات التي تؤجج الصراعات، وتوحيد الجهود الإنسانية، وفتح مسارات سياسية واقعية تضع الإنسان في المقدمة.

فهل يتعلم العالم من هذه التجارب قبل أن تنضم دول أخرى إلى قائمة المآسي؟ إن الحكمة ليست في انتظار انهيار جديد للتحرك، بل في منع الانهيار قبل وقوعه؛ فالأوطان ليست ساحات لتصفية الحسابات، والشعوب ليست وقودًا لحروب الآخرين.

رابعًا: شبح الحرب العالمية الثالثة.. الخطر النووي الذي لا يعرف منتصرًا

إن الحديث عن حرب عالمية ثالثة ذات طابع نووي ليس مبالغة أدبية عندما يكون المقصود التحذير من عواقب التصعيد بين القوى الكبرى، لكنه لا ينبغي أيضًا أن يتحول إلى إعلان بأن هذه الحرب باتت وشيكة أو حتمية من دون أدلة محددة.

فالأسلحة النووية لا تشبه أدوات الحرب التقليدية؛ إذ يمكن لاستخدامها أن يؤدي إلى خسائر بشرية هائلة، وتدمير واسع للبنية الأساسية، وتلوث إشعاعي، واضطرابات اقتصادية وبيئية تمتد آثارها عبر الحدود والأجيال. كما أن تبادل الضربات النووية قد يفتح بابًا لتصعيد يصعب إيقافه، حتى بالنسبة إلى الأطراف التي بدأت المواجهة وهي تظن أنها تستطيع التحكم في مسارها.

وفي الحرب النووية، لا يضمن التفوق العسكري النجاة، ولا تمنح الترسانة الأكبر صاحبها حصانة من الكارثة. فالدمار لا يعترف بالتحالفات، والإشعاع لا يميز بين جنسية وأخرى، والجوع والنزوح والانهيار الاقتصادي لا تتوقف آثارها عند خطوط الجبهات.

ولهذا، فإن مسؤولية القوى النووية تتضاعف، وتصبح قنوات الاتصال العسكري والسياسي، وآليات منع التصادم، والالتزام بالقانون الدولي، والعودة إلى اتفاقات الحد من التسلح، ضرورة لا ترفًا دبلوماسيًا.

إن منع الحرب النووية يجب أن يكون مصلحة مشتركة تتقدم على الحسابات الانتخابية والمكاسب الجيوسياسية الضيقة؛ لأن خسارة الجميع في مثل هذه المواجهة قد تكون أكبر من أن تعوضها أي انتصارات معلنة.

خامسًا: الدبلوماسية المصرية.. صوت العقل وسط ضجيج السلاح

تؤكد السياسة المصرية، في جوهرها المعلن، أن الحوار والتفاوض والوساطة ليست علامات ضعف، بل أدوات لحماية المصالح الوطنية وتجنب الكلفة الإنسانية والاستراتيجية للحرب. وتستند هذه الرؤية إلى إدراك أن القوة العسكرية قد تفرض وقائع مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج شرعية سياسية أو بناء ثقة مستدامة.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية التحركات المصرية في دعم وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، واحتواء التصعيد، وفتح مسارات التفاوض، وتنسيق المواقف مع الأطراف الإقليمية والدولية. فالدبلوماسية الفاعلة لا تكتفي بإعلان القلق، وإنما تبحث عن نقاط التقاء، وتبني قنوات اتصال، وتقترح خطوات قابلة للتنفيذ.

وتزداد قيمة هذا الدور عندما تكون الأطراف المتنازعة أسيرة خطاب متشدد أو ضغوط داخلية أو حسابات لا تسمح لها بالتراجع العلني. عندئذ، تصبح الوساطة التي تحفظ ماء الوجه وتقدم ضمانات متبادلة سبيلًا عمليًا للخروج من دائرة التصعيد.

ولا تعني الدعوة إلى الدبلوماسية تجاهل حقوق الشعوب أو التساهل مع الاعتداءات؛ بل تعني الجمع بين حماية الحقوق، والاحتكام إلى القانون الدولي، ووقف نزيف الدم، ومنع توسع الصراع. فالتفاوض الذي يتجاهل العدالة قد لا يصمد، كما أن العدالة التي لا تجد طريقًا سياسيًا قد تظل رهينة الصراع المفتوح.

سادسًا: فلسطين وغزة.. اختبار الضمير العالمي ومصداقية النظام الدولي

تظل القضية الفلسطينية من أبرز الاختبارات لقدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادئ المعلنة إلى واقع. وقد أظهرت الحرب على غزة حجم الكارثة الإنسانية التي يمكن أن تنجم عن استمرار العمليات العسكرية، وتعطيل المساعدات، وتدمير المساكن والمرافق الحيوية، وتهديد حياة المدنيين.

وكانت مصر في صدارة الجهود الرامية إلى وقف الحرب، وتسهيل دخول المساعدات، ورفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم، والتأكيد على أن القضية الفلسطينية لا تُحل بتصفية وجود الشعب الفلسطيني أو اقتلاعه من وطنه، بل بمسار سياسي يضمن حقوقه المشروعة.

كما عكست قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025 أهمية جمع الأطراف والشركاء الدوليين حول مسار يهدف إلى وقف الحرب وتعزيز فرص الاستقرار. غير أن قيمة أي قمة لا تقاس بصورها وبياناتها وحدها، وإنما بما يتحقق بعدها من التزامات قابلة للتنفيذ، وحماية للمدنيين، وتدفق للمساعدات، وخطوات جادة نحو تسوية عادلة.

إن السلام الذي لا يحمي المدنيين، ولا يوقف التهجير، ولا يفتح أفقًا سياسيًا واضحًا، يظل سلامًا ناقصًا معرضًا للانهيار. ومن هنا، فإن المسؤولية الدولية تقتضي عدم الاكتفاء بإدارة الأزمة، بل العمل على معالجة أسبابها السياسية والإنسانية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين وفق المرجعيات الدولية ذات الصلة.

سابعًا: احترام الشأن الداخلي.. سيادة الدول ليست رخصة للفوضى ولا ذريعة للتدخل

تؤكد مصر باستمرار أهمية احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والاحتكام إلى الحوار والتفاهم والتسوية السلمية للنزاعات. فالدول ليست ساحات مفتوحة لتجارب الآخرين، وشعوبها ليست أدوات في صراعات النفوذ، كما أن فرض الحلول من الخارج قد يزيد الأزمات تعقيدًا بدلًا من معالجتها.

إن احترام السيادة ووحدة الأراضي والاستقلال السياسي ركيزة أساسية في النظام الدولي، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى شعار انتقائي يُرفع عند الحاجة ويُتجاهل عند تعارضه مع المصالح. وبالمثل، فإن حماية حقوق الإنسان لا ينبغي أن تُستخدم ذريعة لتبرير الحروب أو العقوبات التي تزيد معاناة المدنيين أو تقوض فرص التسوية.

المطلوب هو التزام متوازن بالقانون الدولي، يرفض العدوان والتدخل غير المشروع، ويؤكد في الوقت نفسه كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، ويمنح الوساطة والحوار فرصة حقيقية قبل الانزلاق إلى المواجهة.

فالحكمة ليست في ترك الأزمات تتفاقم، ولا في اقتحامها بالقوة، بل في احترام إرادة الشعوب، ودعم الحلول التي تنبع من احتياجاتها، ومساعدة الدول على تجاوز خلافاتها دون تدمير مؤسساتها أو إهدار دماء أبنائها.

ثامنًا: حرمة الدم الإنساني.. أقدس من خلافات الدين واللغة واللون

إذا كانت السياسة تبحث عن المصالح، فإن الإنسانية تضع أمامها حدًا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه: حرمة الدم، وكرامة الإنسان، وحقه في الحياة والأمان.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى استحضار المعنى الأخلاقي العميق القائل إن هدم الكعبة أهون من إراقة دم إنسان بغير حق؛ بوصفه تعبيرًا عن تعظيم حرمة النفس البشرية، لا باعتباره اقتباسًا حرفيًا منسوبًا إلى حديث نبوي دون تثبت من لفظه ومصدره.

فلا يجوز أن يصبح دين الإنسان أو لغته أو لونه أو أصله سببًا لاستباحة حياته أو انتهاك كرامته. الإنسان إنسان، قبل أن يكون مسلمًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو علمانيًا أو منتميًا إلى أي معتقد آخر. ولا ينبغي أن تتحول الاختلافات الدينية والفكرية والثقافية إلى مبررات للكراهية أو الإقصاء أو القتل.

إن دماء الأبرياء ليست أرقامًا في نشرات الأخبار، والأطفال الذين يفقدون أسرهم وبيوتهم لا ينبغي أن يصبحوا مجرد صور عابرة في شاشات العالم. والضحايا المدنيون، أيًا كانت هويتهم، يستحقون الحماية والإنصاف، كما تستحق أسرهم أن تجد من يساندها، لا من يوظف آلامها في صراعات سياسية أو دعائية.

فلا سلام حقيقيًا مع ازدواجية المعايير، ولا عدالة مع انتقاء الضحايا، ولا إنسانية تكتمل إذا حزن العالم على دماء وتجاهل دماء أخرى. إن المعيار الذي ينبغي أن يحكم المواقف هو القانون والحق وحرمة الحياة، لا هوية الضحية ولا هوية الجاني.

تاسعًا: علماء الأديان على طاولة الحوار.. مخاطبة ضمائر صانعي الحرب

في مواجهة الحروب التي تتغذى أحيانًا على التعصب وخطاب الكراهية والتوظيف السياسي للدين، تبرز مبادرة إنسانية تستحق أن تتحول إلى مسار عملي: فتح المجال أمام علماء دين موثوقين، ومفكرين أخلاقيين، وشخصيات روحية من مختلف الأديان والمعتقدات، للحوار المباشر مع قادة الدول والأطراف المنخرطة في النزاعات.

ليس الهدف أن يحل رجال الدين محل الدبلوماسيين، أو أن تصبح المواعظ بديلًا عن الاتفاقات السياسية، بل أن تتكامل الجهود: الدبلوماسية تفاوض على وقف النار والضمانات والحلول، والقيادات الدينية والأخلاقية تذكّر صانعي القرار بأن وراء كل قرار أرواحًا وأسرًا وأطفالًا ومستقبلًا إنسانيًا مشتركًا.

ويمكن لمصر، بما لها من ثقل عربي وإقليمي ومكانة دينية وثقافية، أن تسهم في إطلاق منتدى دولي للحوار الديني من أجل السلام، يضم علماء وشخصيات معتبرة من الإسلام والمسيحية واليهودية وغيرها من التقاليد والمعتقدات، إلى جانب خبراء في القانون الدولي والوساطة وحل النزاعات.

ويُفترض ألا يقتصر المنتدى على البيانات الرمزية، بل أن يعمل على إعداد مبادئ عملية لحماية المدنيين، ومواجهة التحريض الديني، ورفض تبرير العنف باسم العقيدة، ودعم جهود الوساطة، وتشجيع تبادل الرسائل المباشرة بين القيادات الروحية وصانعي القرار.

فالكلمة الصادقة قد تفتح بابًا أغلقته الحسابات السياسية، والضمير الحي قد يذكّر القادة بأن النصر الذي يُبنى على أنقاض الشعوب ليس نصرًا مستدامًا. لكن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بالاستقلال والمصداقية، واحترام تعدد المعتقدات، وعدم توظيف الدين لتبرير أجندات سياسية أو لإقصاء أي طرف.

عاشرًا: أهل بؤر النزاع أدرى بشعابها.. والشعوب في صدارة صناعة السلام

أهل بؤر النزاع أدرى بشعابها، والأقدر على التعبير عن آلامهم وتطلعاتهم وأولوياتهم؛ لذا ينبغي أن يكونوا في صدارة أي حوار يستهدف إطفاء نيران الحروب وصناعة السلام، بعيدًا عن الوصاية أو فرض الحلول من الخارج.

فلا يمكن بناء تسوية دائمة دون الاستماع إلى أصحاب الأرض، وفهم مخاوفهم، واحترام حقوقهم، وإشراك ممثليهم الحقيقيين في صياغة مستقبلهم. أما تجاهل أصواتهم، أو اختزالهم في أطراف تتصارع على النفوذ، فيحوّل أي اتفاق إلى هدنة هشة قد تنهار عند أول اختبار.

أما سائر الأطراف، من دول ومؤسسات وشخصيات دينية وفكرية، فدورها أن تكون جسورًا للدعم والتقريب، وشركاء في تحقيق الأمن والرخاء وصون كرامة الإنسان في العالم أجمع، على اختلاف الأديان والمعتقدات والثقافات؛ مسلمين ومسيحيين ويهودًا وعلمانيين وغيرهم.

فالحياة الكريمة حق للجميع، والسلام مسؤولية إنسانية مشتركة، لا تحتكرها عقيدة، ولا تحدّها حدود، ولا ينبغي أن تعوقها خلافات السياسة أو صراعات المصالح.

فالسلام الحقيقي لا يُفرض على أصحاب الأرض، بل يُصنع معهم؛ ولا يكتمل إلا حين تتحول القوى الداعمة من أطراف في الاستقطاب إلى شركاء في التهدئة، ومن أدوات لتأجيج الصراع إلى جسور للحوار والتعايش.

وهنا تتجلى قاعدة مهمة: مساعدة الشعوب لا تعني مصادرة قرارها، ودعمها لا يعني التحدث باسمها، والتضامن معها لا يكتمل إلا باحترام إرادتها وحقوقها وكرامتها.

حادي عشر: من تحالف المصالح إلى تحالف السلام.. مسؤولية عربية وإسلامية

إن حجم المخاطر الراهنة يفرض على الدول العربية والإسلامية تجاوز الخلافات البينية، والانتقال من ردود الفعل المتفرقة إلى عمل دبلوماسي جماعي يضع حماية الإنسان ومنع الحرب في مقدمة الأولويات.

ويمكن أن تتجسد هذه الرؤية في مبادرة سياسية تُطرح تحت اسم «تحالف مكة للسلام»، بوصفها مقترحًا يحتاج إلى تشاور وتوافق عربي وإسلامي، لا إعلانًا عن كيان قائم. ويكون هدفها توحيد الجهود الدبلوماسية، ودعم الوساطات، والضغط من أجل وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات، ورفض التهجير القسري، وتعزيز احترام القانون الدولي.

ولا ينبغي أن يقوم هذا التحالف على استقطاب ديني أو مواجهة مع شعوب أخرى، بل على رسالة جامعة تؤكد أن حماية المقدسات لا تنفصل عن حماية الإنسان، وأن نصرة المظلوم لا تعني ظلم غيره، وأن وحدة الصف لا تستقيم إلا على أساس العدل والمسؤولية.

ويستطيع هذا التحرك أن يستثمر الثقل السياسي والاقتصادي والديني للدول المشاركة في مخاطبة القوى الكبرى، وتنسيق المواقف داخل الأمم المتحدة، ودعم المبادرات الرامية إلى الحد من التسلح النووي، ومنع انتشار الأسلحة الفتاكة، وإعادة الاعتبار إلى الحلول السياسية.

إن العالم لا يحتاج إلى تحالفات جديدة لإدارة الخصومة فحسب، بل يحتاج إلى تحالفات قادرة على منع الحرب، وحماية المدنيين، وفتح نوافذ للأمل حين تبدو أبواب التفاوض مغلقة.

ثاني عشر: ماذا تستطيع الدبلوماسية المصرية أن تفعل؟

تتطلب المرحلة ترجمة الخطاب الداعي إلى السلام إلى خطوات محددة، يمكن أن تسهم مصر في دفعها بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين:

  • توسيع قنوات الاتصال والوساطة بين أطراف النزاعات، مع الحفاظ على السرية اللازمة عندما تساعد على بناء الثقة.
  • الدفع نحو وقف إطلاق النار وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وفق القانون الدولي.
  • إحياء مسارات التفاوض بشأن القضية الفلسطينية، والعمل من أجل تسوية عادلة تضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.
  • دعم آليات منع التصعيد بين القوى الكبرى، وتشجيع استئناف الحوار بشأن الحد من التسلح النووي ومنع سوء التقدير.
  • تعزيز التنسيق العربي والإسلامي على أساس المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول، بعيدًا عن الاستقطاب الذي يعمق الأزمات.
  • تشجيع حوار ديني وأخلاقي مسؤول يواجه التحريض والكراهية، ويؤكد حرمة الدم الإنساني بصرف النظر عن الدين أو الهوية.
  • إشراك المجتمعات المتضررة في صنع الحلول، بحيث لا تتحول الوساطات إلى تفاهمات فوقية تتجاهل أصحاب المصلحة المباشرة.
  • ربط السلام بالتنمية وإعادة الإعمار، لأن الاستقرار لا يستدام من دون أفق اقتصادي واجتماعي يحفظ كرامة الناس ويمنح الأجيال الجديدة فرصة للحياة.

هذه الخطوات لا تمثل ضمانة آلية لإنهاء كل النزاعات، لكنها توفر إطارًا عمليًا للانتقال من التحذير إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى تقليص أسبابها.

ثالث عشر: الأمم المتحدة.. من منبر الخطب إلى ساحة الفعل

لا يمكن مواجهة مخاطر الحروب الكبرى من دون إصلاح أداء النظام الدولي، وتعزيز قدرة الأمم المتحدة على الاضطلاع بمسؤولياتها في حفظ السلم والأمن الدوليين. فحين تتعطل المؤسسات بسبب تضارب مصالح القوى الكبرى، أو تُطبَّق القواعد بصورة انتقائية، تتراجع الثقة الدولية، وتجد الأطراف المتشددة مساحة أوسع لفرض الأمر الواقع.

إن مصداقية النظام الدولي تبدأ من تطبيق القانون على الجميع، لا من قوة الدولة أو موقعها في موازين النفوذ. كما أن حماية المدنيين لا ينبغي أن تخضع لمساومات سياسية، وأن قرارات وقف الحرب وإيصال المساعدات يجب أن تُترجم إلى إجراءات ملموسة.

وتبقى الحاجة قائمة إلى تعزيز الدبلوماسية الوقائية، وتطوير أدوات الوساطة، ودعم جهود نزع السلاح والحد من مخاطره، وتفعيل المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة وفق الأطر القانونية المختصة.

ومن المهم ألا يقتصر دور الأمم المتحدة على توثيق المآسي بعد وقوعها؛ بل أن تمتلك الإرادة والقدرة على التحرك قبل أن تتحول الأزمات إلى كوارث يصعب احتواؤها.

الخاتمة: السيسي يحذّر.. والعالم أمام اختبار الحكمة

بعد أحد عشر عامًا من التحديات الإقليمية والدولية، تظل الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الموقف المصري أن السلام ليس شعارًا للاستهلاك السياسي، بل مسؤولية تتطلب حكمة القيادة، وشجاعة القرار، واحترام القانون، وتغليب حياة الإنسان على حسابات القوة.

إن التحذير من حرب عالمية ثالثة ذات طابع نووي يجب أن يكون حافزًا للتحرك، لا بابًا للاستسلام للخوف؛ فالخطر مهما بلغ لا يصبح حتميًا ما دامت هناك قنوات للحوار، وإرادة للوساطة، ومسؤولية لدى صانعي القرار.

ومصر، بما تملكه من موقع جغرافي وثقل سياسي وخبرة دبلوماسية، تستطيع مواصلة الدعوة إلى خفض التصعيد، وبناء التوافقات، وحماية القضية الفلسطينية، ودعم العمل العربي المشترك، وتشجيع الحوار بين الأديان والثقافات.

لكن نجاح هذه الرسالة يتطلب تضافر الجهود، والابتعاد عن ازدواجية المعايير، والاعتراف بأن أمن العالم لا يمكن أن يُبنى على خوف بعض الشعوب أو تدمير بعضها الآخر.

أهل النزاع هم أصحاب الحق في تقرير مستقبلهم، والدول الداعمة مطالبة بمساندتهم لا بالوصاية عليهم، وعلماء الأديان مدعوون إلى مخاطبة الضمائر لا تأجيج الخصومات، والقوى الكبرى مسؤولة عن منع الانزلاق إلى مواجهة نووية لا رابح فيها.

فلا فرق في حرمة الدم بين إنسان وآخر، ولا قيمة لسلام يتجاهل العدالة، ولا مستقبل لعالم يضع السلاح فوق الحوار.

إنها لحظة اختبار للحكمة الإنسانية: إما أن تنتصر الدبلوماسية قبل أن تتكلم المدافع، وإما أن يدفع الجميع ثمن قرارات لم يحسب أصحابها عواقبها.

وستظل الرسالة التي ينبغي أن تتقدم على سائر الرسائل: احترام سيادة الدول، وصون كرامة الشعوب، وَحُرْمَةُ الدَّمِ الإِنْسَانِيِّ، وفتح أبواب الحوار، هي الطريق الأجدر بحماية الشرق الأوسط والعالم من هاوية حرب لا يعرف أحد أين تنتهي.

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى