إقتصادسلايدر

زيارة كبير مستشارى ترامب للقاهرة: دبلوماسية مصرية فاعلة في لحظة إقليمية فارقة

Listen to this article

تحليل: رئيس التحرير 

في ظل تصاعد الحراك الدولي تجاه الشرق الأوسط، جاء لقاء وزير الخارجية والهجرة المصري الدكتور بدر عبد العاطي مع كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والشرق الأوسط، السيد مسعد بولس، في 18 مايو، ليعكس حيوية الدبلوماسية المصرية، وتفاعلها النشط مع تطورات المشهد الدولي والإقليمي، وتحديدًا في ظل تزايد التنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في المنطقة.

زيارة بولس، والتي تأتي في توقيت بالغ الحساسية عقب جولة ترامب الخليجية وقمة بغداد العربية، تكتسب أبعادًا استراتيجية عميقة، سواء من حيث دلالات التوقيت، أو من حيث الملفات التي تناولها الجانبان، والتي شملت قضايا الأمن في أفريقيا، وتطورات الأوضاع في ليبيا، السودان، سوريا ولبنان، فضلاً عن العلاقات الاقتصادية الثنائية.

أولاً: عبد العاطي – دبلوماسية تنموية وأمنية متكاملة

برز الدكتور بدر عبد العاطي خلال اللقاء كوزير يُجسّد مفهوم الدبلوماسية الشاملة، التي تجمع بين الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية. فقد حرص على تأكيد محورية الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، الممتدة على مدار أربعة عقود، والتي تتجاوز الدعم العسكري أو السياسي، إلى شراكة أوسع تحقق مصالح متبادلة في ملفات الطاقة، التجارة، ومكافحة الإرهاب.

تأكيد عبد العاطي على مواصلة العمل مع إدارة ترامب يعكس إدراكًا مصريًا لعودة واشنطن إلى المنطقة بمنطق “الصفقات الاستراتيجية”، وأن القاهرة يجب أن تظل شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي صيغة ترتسم للمنطقة في المرحلة المقبلة.

ثانياً: أفريقيا في صميم التحركات المصرية–الأمريكية

تناول الجانبان ملفات القرن الأفريقي، السودان، والكونغو، في تأكيد على بروز أفريقيا كمجال تنافسي جديد بين القوى الدولية، وهو ما تحرص مصر على استثماره لتعزيز دورها القيادي داخل القارة.

استعرض الوزير عبد العاطي المبادرات المصرية التنموية في القارة، مشيرًا إلى دور الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، ومبادرة تمويل مشاريع البنية التحتية في دول حوض النيل الجنوبي بـ100 مليون دولار، إلى جانب دعم المؤسسات الوطنية الأفريقية بعد النزاعات. وهي رسالة دبلوماسية تحمل مضمونًا واضحًا: مصر ليست فقط طرفًا معنيًا بأمن أفريقيا، بل شريك موثوق في إعادة إعمارها.

ثالثاً: تحالف ثلاثي محتمل – مصر وأمريكا وأفريقيا

التوافق المصري-الأمريكي حول أهمية التعاون الثلاثي في أفريقيا يعيد إلى الأذهان النموذج الذي طُرح في الزيارة الأوروبية السابقة، والذي يتمثل في إقامة شراكات ثلاثية (أوروبا-مصر-أفريقيا، أو أمريكا-مصر-أفريقيا)، بما يضع القاهرة في قلب المعادلة التنموية الجديدة للقارة، ويكرّس دورها كبوابة عبور لمشاريع الغرب داخل أفريقيا.

هذا التعاون الثلاثي يُعد ترجمة عملية لتحولات جيوسياسية أوسع، تسعى من خلالها واشنطن إلى استعادة موطئ قدمها في أفريقيا، في وقت تتصاعد فيه استثمارات الصين وروسيا ونفوذهما.

رابعاً: قضايا الإقليم – ثوابت مصرية في مشهد متغيّر

حمل اللقاء رسائل مصرية واضحة بشأن التطورات في ليبيا، سوريا ولبنان. ففي ليبيا، جدد عبد العاطي التمسك بمبدأ “الليبيون أولاً”، ورفض أي تواجد عسكري أجنبي غير شرعي، في تأكيد على أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بدعم المؤسسات الشرعية وتوحيدها.

وفي سوريا ولبنان، ظهرت مواقف مصرية متزنة توازن بين دعم وحدة الدولة ومؤسساتها الوطنية، ورفض التدخلات الخارجية، مع التمسك بالقرارات الدولية (مثل القرار 1701 في لبنان). وهي رسائل تستهدف ترسيخ دور مصر كضامن للاستقرار لا كطرف في الصراعات.

خامساً: الاقتصاد – بوابة الشراكة المستقبلية

أولى عبد العاطي اهتمامًا خاصًا لتعزيز الاستثمارات الأمريكية في مصر، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مؤكدًا أن مصر تقدم بيئة محفزة، مدعومة بإصلاحات هيكلية ومالية، تجعلها نقطة جذب لشركات التكنولوجيا والطاقة والتصنيع الأمريكية. ويبرز المنتدى الاقتصادي المرتقب بين البلدين كمنصة لتعميق هذه الشراكة.

خاتمة: دبلوماسية د. عبد العاطي بين التوازنات الكبرى والطموحات الإقليمية

في أسبوع مزدحم بالتحركات الدولية، من زيارة مفوض الاتحاد الأوروبي إلى القاهرة، إلى زيارة ترامب إلى الخليج، ومن قمة بغداد إلى التحركات الروسية في الساحل الأفريقي، تبدو مصر، بقيادة دبلوماسية نشطة يمثلها الوزير عبد العاطي، حاضرة بقوة في مراكز التفاعل الكبرى.

إنها لحظة مصرية نادرة تجمع بين وضوح الرؤية، وتعدد القنوات، والقدرة على المناورة. وإذا نجحت القاهرة في تحويل هذه التحركات إلى آليات شراكة ثلاثية فاعلة (مع أوروبا وأمريكا في أفريقيا)، فإنها ستعيد ترسيم موقعها كقوة مركزية في العالم العربي، والقرن الأفريقي، والبحر المتوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى