
أشرف أبو عريف يكتب
بين أصالة التخطيط وآفاق الإبداع، الحزب الشيوعي الصيني يرسم معالم “فرصة الصين 2.0” ويقود قطار الاقتصاد العالمي نحو شراكة ذكية عابرة للحدود.
أصحاب السعادة والمعالي،
الشركاء والرواد،
السيدات والسادة، الحضور الكريم،
بفيضٍ من السعادة والاعتزاز، ألتقي بكم اليوم في ربوع “داليان”، يجمعنا هذا المحفل المتجدد في دورته السابعة عشرة لمنتدى دافوس الصيفي، حيث تلتقي العقول وتتشابك الرؤى. وباسم حكومة جمهورية الصين الشعبية، أزجي إليكم جميعاً، أصدقاء الأمس واليوم، أحرّ التبريكات بافتتاح هذا المحفل، مكللةً بأسمى آيات الشكر والامتنان لدعمكم الموصول وثقتكم الراسخة في مسيرة التنمية الصينية.
يجيء منتدانا هذا العام تحت شعار “الابتكار واسع النطاق”، ليمسّ وتراً حساساً في جسد الاقتصاد العالمي؛ فكما أشار الرئيس “شي جين بينغ” ذات يوم: «إن تلمُّسَ طريق الابتكار هو تلمُّسٌ لدرب النماء، وصناعة الابتكار هي صياغةٌ للمستقبل». ومن هذا المنطلق، يسعدني أن أشارككم فصولاً من حكاية الابتكار الصيني، ورؤيتنا لشراكة عالمية تصنع الغد.
أولاً: في عتبة الخطة الخمسية الخامسة عشرة.. التحدي يلد الإنجاز
يطلّ عام 2026 كبوابةٍ للخطة الخمسية الخامسة عشرة للتنمية في الصين. ورغم أن هذا العام استهلّ أنفاسه على إيقاع أمواج دولية متلاطمة، ونزاعات جيوسياسية تعصف باستقرار العالم، لتزيد من وعورة درب التعافي الاقتصادي العالمي، إلا أن سفينة الاقتصاد الصيني لم تهب العاصفة؛ بل شرعت مجاديفها بقوة، تمخر العباب بثباتٍ وعزم، ويمكننا اختزال مشهدها البهي في أربع كلمات:
-
«الثبات»:
لقد سجل الاقتصاد الصيني نمواً بنسبة 5% في الربع الأول، ومضى في الربع الثاني على ذات النهج الواعد. إن “الثبات” قد يبدو للبعض لفظاً عادياً في الأيام الرخاء، ولكنه حين يتحقق لاقتصادٍ ضخم يبلغ قوام نتاجه 140 تريليون يوان، وفي ظل أزمات طاقة خانقة وتقطعٍ في شرايين الإمداد العالمي، يصبح هذا الثبات بمثابة “المرفأ الآمن” وسط بحر متلاطم، وشهادةً حية على صلابة الأرض التي نقف عليها.
-
«التجدد»:
عبر سنوات من البذر والسقاية، تفتقت أكمام الصين عن فيضٍ من التقنيات والمنتجات البكر. ففي النصف الأول من هذا العام، انطلقت صواريخنا التجارية لتطرق أبواب الفضاء، وتسارعت خطى علوم الكم الهائل، والدوائر المتكاملة، والاندماج النووي. وفي فضاء الذكاء الاصطناعي، شهدنا طفرةً كبرى؛ إذ بلغت الاستدعاءات اليومية لرموز البيانات مئات التريليونات لنتصدر المشهد العالمي، ودخل “الذكاء الجسدي” مرحلة التطبيق التجاري. إن ومضات الابتكار الفريدة هذه تتجمع اليوم لتغدو شعلةً تقود قاطرة التحول الاقتصادي، وتمنح الصين وجهاً متجدداً يفيض بالحيوية.
-
«الحيوية»:
ما زالت الأسواق الصينية العملاقة تفيض بالوعود والفرص، لا سيما في قطاعات الاستهلاك الأخضر والخدمي. إن طوابير الانتظار في ميادين السياحة، والمسارح، والمحافل الرياضية، والتسابق المذهل على اقتناء الأجهزة الذكية، لهي شواهد حية على نبض هذه السوق. وحين نعلم أن الصين وحدها تسير اليوم أكثر من 550 مليون شحنة بريد سريع يومياً —بما يفوق إجمالي دول العالم مجتمعة— ندرك عمق الحيوية الكامنة في شرايين طلبنا المحلي.
-
«الاندماج»:
في زمنٍ تعلو فيه نبرات الانكفاء والحمائية، آثرت الصين أن تفتح ذراعيها للعالم بقلبٍ رحب؛ فأعفت 63 دولة من الرسوم الجمركية، وحافظت لـ 17 عاماً متتالية على موقعها كثاني أكبر سوق استيراد في العالم. إن سعينا للاندماج ليس مناورةً عابرة، بل هو قرار استراتيجي نابع من وعينا بحركة التاريخ وقيمنا التنموية؛ فالصين لا تبحث عن مجدِ السير سريعةً بمفردها، بل تؤمن بأن السير معاً هو السبيل الوحيد لبلوغ الآفاق البعيدة.
إن هذه الكلمات الأربع ترسم معاً لوحةً ناجحة، تعكس واقع الصين اليوم وتستشرف غدها الرغيد، ونحن على ثقة كاملة بقدرتنا على رعاية هذا الزخم لكتابة فصول جديدة من التنمية عالية الجودة.
ثانياً: الابتكار.. الكلمة السرية في تميز المسيرة الصينية
إن سرّ بقاء الاقتصاد الصيني معافى وقوياً طيلة العقود الماضية يكمن في معادلة ذهبية ذات شقين: البيئة المستقرة، والابتكار الدافع. وإذا كانت البيئة المستقرة حقيقةً يلمسها الجميع ولا تحتاج تبياناً، فإن الابتكار بحاجة إلى وقفة إنصاف؛ فخلف هذا البريق المعرفي تكمن تضحيات وصمود، نلخصها في ثلاث أفكار:
أولاً: الابتكار الصيني هو ثمرة كفاح وصبر (نحت في الصخر):
نوقن تماماً أنه لا توجد دروب مختصرة في البحث العلمي، وأن التميز لا يُستنسخ بل يُنتزع بالجهد. لقد زدنا من مخصصات البحث العلمي لتنمو بنسبة 10% سنوياً، متصدرين المرتبة الثانية عالمياً. لقد واجهت شركاتنا ضغوطاً جسيمة وضغوطات خارجية جائرة، لكنها لم تنحنِ للعاصفة، وصبرت صبر من “يشحذ السيف لعشر سنوات” حتى حصدت الثمار اليوم.
ثانياً: الابتكار الصيني وليد الممارسة والتطبيق في شتى القطاعات:
إن حياة العلم في تطبيقه، وأصعب مراحل الابتكار ليست توليده في المختبرات، بل عبوره “بحر داروين” نحو الأسواق. لقد ربطنا بين التفوق العلمي والنهوض الصناعي؛ فالتقدم العلمي هو المَعين الذي تغتسل فيه الصناعة —كصناعات السيارات الذكية والطاقة الجديدة التي استندت لثورات المواد والبطاريات، وليس لدعمٍ حكومي مزعوم كما يدعي البعض فلا طاقة لنا بهكذا دعم—. وفي المقابل، توفر سوقنا الضخمة المكونة من 1.4 مليار إنسان أعظم حاضنة لاختبار الأفكار وصقلها عبر التغذية الراجعة المستمرة من ملايين المستخدمين.
ثالثاً: الابتكار الصيني نتاج بيئة حاضنة متكاملة:
غدا الابتكار اليوم منظومة شديدة التعقيد تتطلب دعماً هائلاً؛ ولذا نجحنا في تأسيس 24 تجمعاً ابتكارياً ضمن المائة الأفضل عالمياً، لنتبوأ الصدارة للعام الثالث على التوالي. كما قمنا بإصلاحات تشريعية لحماية الملكية الفكرية، ونمضي قدماً في تشييد شبكات الطاقة والحوسبة والاتصالات الحديثة لنبقي شعلة الإبداع المجتمعي متقدةً على الدوام.
إن هذا التقدم الصيني الذي نال إشادة المنصفين، أثار —للأسف— قلق آخرين ممن راحوا يروجون لفرية “الصدمة الصينية 2.0”. غير أن الأصوات الحكيمة باتت تتحدث عن مفهوم مغاير تماماً وهو “الفرصة الصينية 2.0”. فإذا كانت الصين في الماضي تمنح العالم “عوائد السوق المتمثلة في حجمها وتكلفتها”، فإنها اليوم تمنحه “عوائد الابتكار” الناجمة عن التطور العلمي والصناعي.
إن هذه الفرصة تعني للشركات العالمية آفاقاً استثمارية واعدة؛ لذا رأينا تحولاً كبيراً من شعار “صُنع في الصين” إلى “ابتُكر في الصين”. وهنا يجد المستثمر الشريك الأمثل من مرحلة الفكرة حتى الإنتاج الكمي، محققاً أرباحاً تضاعف رأس ماله مرات ومرات. أما لركب الحضارة الإنسانية، فإن هذه الفرصة تعني تقنيةً متاحة للجميع، فالصين تؤمن بالابتكار مفتوح المصدر لتمكين الدول النامية؛ وها هي نماذجنا البرمجية تُحمل مليارات المرات، ومنشآتنا العلمية الكبرى تفتح أبوابها للعلماء والمحطات الفضائية تستعد استقبال رواد فضاء دوليين. إنها باختصار رسالة تمكين للعالم وليست رسالة تهديد.
ثالثاً: الشراكة الابتكارية.. طوق النجاة للاقتصاد العالمي
إذا كان الابتكار هو قلب الصين النابض بالتنمية، فهو للعالم بأسره طوق النجاة في مواجهة الركود. واليوم، يتخذ الابتكار العالمي مسارين فريدين:
-
سرعة خارقة مشوبة بالغموض: فالذكاء الاصطناعي يقودنا لـ “عصر كمبري” جديد، لكنه يحمل مخاطر الانفلات الأخلاقي والتقني التي تستلزم حوكمة رشيدة.
-
ترابط وثيق تجابهه الجدران: فالإبداع اليوم يتطلب عملاً جماعياً عابراً للقارات، في الوقت الذي تتزايد فيه محاولات الحصار التقني وبناء الأسوار. ونحن نؤمن بأن الابتكار الحقيقي هو الذي يخرج للعالم ويعانقه.
-
لنبنِ جسور التواصل المعرفي: في هذه الثورة الصناعية الجديدة، لا يمكن لدولة أو شركة أن تغرد منفردة. إن سوقاً عالمية مترابطة تقلل كلفة الإبداع، وشبكة ابتكار شاملة تعجل بفك شفرات المستقبل. والصين ستندمج بقوة في منظومة التوزيع الدولي للعمل لبناء اقتصاد عالمي مفتوح يضمن تدفق سلاسل الإمداد.
-
لنجعل العلم في خدمة الإنسان (التكنولوجيا للخير): يجب أن تظل التقنيات الحديثة معول بناء ورفاه للشعوب لا فصيل فوضى يهدد السلام. والصين ستشارك بمسؤولية في صياغة القواعد المنظمة للذكاء الاصطناعي لضمان بقائه في خدمة الإنسانية والسلام.
السيدات والسادة، الأصدقاء الأعزاء،
إن الشركات هي عصب الابتكار، ورواد الأعمال هم قادة هذه الملحمة. وأدعوكم اليوم لتكونوا مناراتٍ تقود الإبداع؛ لتوجهوا بواخركم بعيداً عن “المحيطات الحمراء” الضيقة والمتنازعة، نحو “المحيطات الزرقاء” الشاسعة، لنكبر معاً كعكة السوق العالمية بالابتكار.
كونوا سفراء للشراكة والربح المشترك، اهدموا الجدران وابنوا الجسور. سيروا جنباً إلى جنب مع الصين، واغرسوا جذوركم في أرضها المعطاء؛ فمهما تبدلت الأنواء الدولية، ستظل أبواب الصين مشرعةً على مداها، وسنعمل على تيسير دخول الأسواق، وتوفير بيئة استثمارية من الطراز الأول تضمن المعاملة الوطنية للشركات الأجنبية. مرحباً بكم في الصين لنصنع معاً غداً أبهى وأجمل.
أتمنى لأعمال هذا المنتدى كامل التوفيق والنجاح!
وشكراً لكم!



