
أشرف أبو عريف
قراءة في أبعاد الموقف الدبلوماسي الراهن: تأتي المتابعة الدقيقة والمستمرة من قِبل السيد نبيل فهمي، الأمين العام لجامعة الدول العربية، للتطورات الخطيرة في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، لتعكس عمق القلق العربي والدولي إزاء مآلات الأزمة السودانية؛ حيث يواجه أكثر من نصف مليون مدني، بينهم عشرات الآلاف من النازحين، حصاراً خانقاً وقصفاً متواصلاً استهدف البنى التحتية والمرافق الحيوية من مدارس ومستشفيات وشبكات مياه وكهرباء.
إن إشارة الأمانة العامة بقيادة السيد نبيل فهمي إلى مخاطر وقوع انتهاكات جسيمة قد ترقى إلى جرائم حرب، تنبه إلى ضرورة استباق الأحداث وتفادي تكرار المآسي الإنسانية السابقة التي شهدتها مدينة الفاشر، وهو ما يتطلب تضافراً عاجلاً للجهود الدولية والإقليمية المنسقة.
-
تفعيل الآليات المشتركة: يرتكز الموقف الحالي للأمانة العامة على تفعيل دور الآلية الخماسية (التي تضم جامعة الدول العربية، الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، والهيئة الحكومية الدولية “إيغاد”) من أجل تهيئة مسار سياسي سوداني شامل.
-
المرجعية السياسية والإنسانية: تؤكد الجامعة العربية على أهمية الالتزام بـ “إعلان جدة لعام 2023 لحماية المدنيين” كأرضية أساسية لتخفيف المعاناة الإنسانية وصيانة مؤسسات الدولة، مع الاحترام الكامل لوحدة السودان وسيادته وسلامته الإقليمية.
رؤية استراتيجية ومقترح مصيري: هل تستعين الجامعة العربية بثقل شيخ الأزهر؟
في ظل تعقد المشهد العسكري والسياسي على الأرض وانسداد أفق الحلول التقليدية، تبرز الحاجة الملحة لطرح رؤى وأفكار غير تقليدية تتجاوز نمط البيانات الرسمية المنفردة، ومن هنا يتبلور مقترح وتساؤل جوهري فرض نفسه على طاولة الأحداث: هل يمكن لجامعة الدول العربية أن تبادر بتحرك ميداني استثنائي يعتمد على المظلة الروحية والدبلوماسية المباشرة؟
إن خطورة الوضع الإنساني المتفاقم في الأبيض تفتح الباب لإمكانية صياغة مبادرة شجاعة؛ بأن تقوم الجامعة العربية بزيارة ميدانية عاجلة ومباشرة إلى المدينة للقاء القيادات المتنازعة على الأرض والسعي للصلح بينهم، مستعينةً بالثقل الأخلاقي والمكانة الروحية الكبرى لفضيلة شيخ الأزهر الشريف.
إن إدراج مقترح الاستعانة بشيخ الأزهر وتوسيع هذا الدور يستند إلى أبعاد استراتيجية ونفسية هامة:
-
التأثير الوجداني والروحي الشامل: يحظى الأزهر الشريف وفضيلة الإمام الأكبر بتقدير تاريخي واحترام هائل وعميق لدى كافة أطياف الشعب السوداني ومكوناته، مما يفتح الباب أمام الاستعانة بعناصر الأزهر المؤثرة في كافة أبعاد النزاع العربي لما تملكه هذه المؤسسة من قدرة على صياغة خطابات دينية معتدلة تحقن الدماء وتؤلف القلوب.
-
تكامل الدبلوماسية والرمزية الدينية: إن دمج المسار الدبلوماسي الرسمي الذي يقوده السيد نبيل فهمي مع الرمزية الدينية الجامعة للأزهر، قد يشكل قوة الدفع والضغط الحقيقية الوحيدة لإقناع الأطراف بوقف القتال وإعلاء صوت العقل، والالتزام بحرمة الدم السوداني.
🛡️ أدوات الحسم الدبلوماسي: نزع فتيل الوقود وتفعيل الدفاع المشترك
لضمان نجاح هذه المبادرة الاستثنائية وحماية المدنيين في الأبيض، لا بد من أن يتواكب التحرك الروحي والدبلوماسي مع خطوات عربية حاسمة على الصعيدين السياسي والعسكري:
-
قطع إمدادات التمرد: يتطلب الموقف العربي الراهن تحركاً جماعياً لـ نزع فتيل الوقود الداعم للتمرد، من خلال تجفيف منابع الدعم اللوجستي والسياسي الخارجي الذي يساهم في إطالة أمد الحرب وزيادة معاناة الشعب السوداني.
-
تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك: أمام التهديدات الوجودية التي تواجه مؤسسات الدولة السودانية ووحدة أراضيها، يرى مراقبون ضرورة تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك كأداة ردع قانونية وعسكرية تضمن صون الأمن القومي العربي، وحماية السيادة السودانية من أي تدخلات تسعى لتمزيق النسيج الوطني ومؤسسات الدولة.
يبقى هذا المقترح المتكامل بمثابة نافذة أمل وصيغة عمل جادة لكسر جمود الأزمة؛ فهل تجد هذه المبادرة طريقاً للتنفيذ برعاية الجامعة العربية ومشيخة الأزهر لإنقاذ الأبيض، وصناعة تحول حقيقي ملموس نحو السلام الشامل وحماية وحدة السودان ومؤسساته؟



