
لم يكن جمال عبد الناصر مجرد حاكمٍ مَرّ على سدة الحكم في مرحلة من تاريخ مصر الحديث، بل كان فكرةً جارفة، وحالةً وجدانية استثنائية تجاوزت حدود الجغرافيا والزمان. جاء في لحظة فارقة كان العالم الثالث فيها يئن تحت وطأة الاستعمار الإنجليزي والفرنسي، فانتفض ليصنع من صوته وإرادته بشارة أمل لملايين المحرومين والمستضعفين، لا في مصر وحدها، بل في أفريقيا والعالم العربي وأرجاء الأرض كافة.
تجلت عبقريته الوطنية وكبرياؤه الشديد في قرار تأميم قناة السويس، القرار الذي لم يكن مجرد استردادٍ لحقٍّ ماديّ نهبته الدول الكبرى، بل كان إعلاناً شجاعاً لاستعادة الكرامة واستقلال القرار الوطني. كان ذلك الحدث نقطة التحول التاريخية التي زلزلت عروش الإمبراطوريات القديمة، وأعلنت رسمياً أفول عصر الاستعمار المباشر لبدء حقبة جديدة من التوازنات الدولية. لقد أثبت عبد الناصر أن الشعوب التي تمتلك إرادتها قادرة على مواجهة العمالقة وصنع قدرها بنفسها.
وفي الداخل، كان عبد الناصر يبني دولة العزة والعدالة الاجتماعية. انحاز بشكل مطلق لفقراء هذا الوطن، من الفلاحين والعمال الذين طالما عانوا التهميش، فمنحهم الأرض والكرامة ورسّخ مفهوم أن ابن الفقير من حقه أن يحلم ويتعلم ويصل إلى أعلى المراتب. أطلق نهضة صناعية غير مسبوقة، وأقام السد العالي الذي يقف شامخاً حتى اليوم كشاهدٍ على إرادة التحدي؛ ذلك الخزان الاستراتيجي الذي أنقذ مصر وما زال يحميها من أزمات الجفاف ونقص المياه.
ولم تقتصر نهضته على الاقتصاد والسياسة، بل شهد عصره العصر الذهبي للتعليم والثقافة والفنون. أصبحت القاهرة قلعةً للفكر والإبداع، ومنبراً يوجه الشعوب نحو الحرية والجمال. صهر الفوارق الطبقية وجعل المجتمع كلاً متكاملاً يلتف حول هدف واحد، وهو بناء وطن يتسع للجميع وتُحفظ فيه إنسانية المواطن.
إن النظرة المنصفة لهذه القامة التاريخية تجعلنا ندرك حجم الظروف الإقليمية والدولية المعقدة التي عمل خلالها. وإن كان قد أصاب وأخطأ بحكم طبيعة البشر ومقادير التاريخ، فإن نبل الغاية وجسامة الإنجاز يظلان الشاهد الأكبر على عظمه. لقد عاش نزيفاً في حب وطنه، ومات ولم يترك لنفسه ثروة ولا متاعاً، بل ترك إرثاً هائلاً من الإزهار الكبرياء والاعتزاز بالنفس.
اليوم، ونحن ننظر إلى واقعنا الإقليمي والدولي المتلاطم، ندرك قيمة ذلك الأثر الرفيع الذيتركه ناصر. لقد كان زعيماً لم يكتفِ بمسايرة التاريخ، بل جره خلفه صانعاً حقبة بأسentireها، وليبقى اسمه في ذاكرة الأمة نبراساً للإرادة التي لا تُقهر، والرمز الخالد للكرامة الوطنية.



