رئيس التحريرسلايدر

ماذا لو قالت أنقرة وباكو ومسقط وبغداد: «لا».. فهل تفتح باب الطوارئ؟!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

 

ماذا لو قالت أنقرة وباكو ومسقط وبغداد: «لا»؟!

قد يبدو السؤال في ظاهره بسيطًا، لكنه في عالم العقوبات الأمريكية أصبح أشبه بسؤال يحتاج إلى تصريح عبور دولي!

فواشنطن تريد أن تقول لطهران: لا طيران، لا وقود، لا خدمات، ولا هبوط… إلا وفق القواعد التي تحددها الولايات المتحدة!

والأغرب أن هذه القواعد لا تأتي من مجلس الأمن، ولا من منظمة الطيران المدني الدولي، وإنما من قرار أمريكي أحادي، ثم يُطلب من بقية العالم التعامل معه وكأنه قانون كوني جديد!

وهنا تبدأ الكوميديا السياسية.

هل أصبح المطار الوطني تابعًا لوزارة الخزانة الأمريكية؟!

هل يحتاج برج المراقبة، قبل أن يسمح لطائرة بالهبوط، إلى أن يسأل:

«هل وافقت واشنطن؟!»

وهل أصبح على الطيار، قبل أن يفتح عجلات الهبوط، أن يتأكد من أن طائرته لا تحمل معها مخالفة أمريكية؟!

الصين دخلت المشهد من الباب الكبير.

فقد اعترضت بكين على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، مؤكدة موقفها الرافض للعقوبات الأحادية التي لا تستند إلى تفويض من مجلس الأمن.

وفي المقابل، استمرت رحلات إيرانية إلى الصين، في مشهد يقول بلغة الطيران ما تعجز البيانات السياسية أحيانًا عن قوله:

واشنطن تقول: «ممنوع»… وبكين تقول: «المدرج مفتوح»!

لكن ماذا لو اتسع المشهد؟

ماذا لو قالت أنقرة: هذا مطار تركي؟

وقالت باكو: وهذا مطار أذربيجاني؟

وقالت مسقط: وهذا مطار عُماني؟

وقالت بغداد: وهذا مطار عراقي؟

هل يصبح العالم أمام أزمة طيران…

أم أمام أزمة سيادة؟!

فالطائرة في نهاية المطاف لا تعرف السياسة.

هي تعرف المطار، والمدرج، وبرج المراقبة، والوقود.

أما العقوبات، فهي من صنع البشر.

وهنا تكمن المفارقة:

كيف يمكن لعقوبة تصدر من دولة واحدة أن تتحول إلى قاعدة تلزم مطارات دول أخرى؟

إذا كانت الإجابة هي: لأن الدولار يستطيع ذلك، فنحن لا نتحدث إذن عن قانون دولي بالمعنى التقليدي، وإنما عن نفوذ مالي يحاول ارتداء بدلة القانون الدولي!

وهذه هي الكوميديا السوداء في القصة.

فبعد عقود من الحديث عن سيادة الدول، وتعددية الأطراف، والقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، قد يجد العالم نفسه أمام مشهد جديد:

طائرة إيرانية على المدرج…

وبرج المراقبة يسأل:

«هل يسمح لنا بالهبوط؟»

فيأتي السؤال المضاد:

«ومن صاحب المطار؟»

فإذا كان المطار في أنقرة، فأنقرة هي التي تقرر.

وإذا كان في باكو، فباكو هي التي تقرر.

وإذا كان في مسقط، فمسقط هي التي تقرر.

وإذا كان في بغداد، فبغداد هي التي تقرر.

أما إذا أصبحت الإجابة مختلفة، فربما نحتاج إلى إعادة تعريف كلمة «السيادة» في القاموس الدولي!

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستطير الطائرات الإيرانية؟

السؤال الأكبر هو:

هل ستظل الدول صاحبة القرار في مطاراتها، أم ستصبح المطارات جزءًا من خريطة العقوبات الأمريكية؟

فإذا قالت العواصم الأربع «لا»، فلن تكون قد فتحت مجرد ممر جوي لطائرة.

ربما تكون قد فتحت «باب الطوارئ» أمام سؤال أكبر:

من يضع قواعد النظام الدولي؟

وهنا تصبح المفارقة أكثر إثارة للسخرية.

فقد يكتشف العالم ذات صباح أن مجلس الأمن يجتمع في نيويورك لمناقشة السلام، بينما طائرة ما تنتظر في المدرج لمعرفة ما إذا كانت واشنطن قد سمحت لها بالهبوط!

يا لها من مفارقة!

الأمم المتحدة تبحث عن نظام دولي متعدد الأطراف، والطائرات تبحث عن نافذة أحادية الطرف!

لكن ربما تكون الطائرة أكثر ذكاءً من السياسة كلها.

فهي لا تسأل:

«من يملك القوة؟»

بل تسأل سؤالًا واحدًا فقط:

«أين المدرج المفتوح؟!»

وهنا يأتي «باب الطوارئ».

ليس بابًا لطائرة تهرب من العقوبات فحسب، وإنما ربما يكون بابًا سياسيًا تبحث من خلاله الدول عن مساحة لاستعادة قرارها الوطني، بعيدًا عن تحويل العقوبات الأحادية إلى قواعد عالمية.

فماذا لو قالت أنقرة وباكو ومسقط وبغداد:

«لا»؟!

ربما عندها لن تكون الطائرة الإيرانية هي التي تبحث عن طريق بديل…

بل قد يكون النظام الدولي نفسه هو الذي يبحث عن مدرج جديد!

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى