سلايدرسياسة

بينما المعارك بين العرب والمسلمين… الأقصى يتلقى «الضيوف»!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

بينما العرب والمسلمون يتنازعون على كل شيء تقريبًا، يبدو أن المسجد الأقصى وحده لا يملك ترف الدخول في معاركهم!
بيان جديد من جامعة الدول العربية يحذر من التصعيد الإسرائيلي الخطير في المسجد الأقصى والضفة الغربية، ومن محاولات فرض وقائع جديدة داخل المسجد، بما في ذلك إدخال كتب الصلاة اليهودية، وتشديد القيود على المصلين الفلسطينيين. وقد أكدت الجامعة اليوم خطورة هذه الخطوات باعتبارها تهديدًا للوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد.
لكن وراء البيان سؤال أكثر مرارة:
هل يدفع الأقصى اليوم ثمن تراجع القدرة الفلسطينية على الردع والمقاومة؟
هذا سؤال سياسي، وليس حكمًا نهائيًا على مسار معقد ومتشابك.
غير أن المقارنة التاريخية تفرض نفسها.
ففي مراحل سابقة من الصراع، كانت محاولات المساس بالأقصى تواجه خطرًا مباشرًا من انفجار واسع، وكانت الفصائل الفلسطينية المسلحة، وفي مقدمتها حماس وغيرها، تعتبر المسجد الأقصى خطًا أحمر يرتبط مباشرة بـ قدرتها على الحشد والمواجهة.
أما اليوم، وبعد حرب مدمرة أضعفت البنية العسكرية والاجتماعية في غزة، وبعد الخسائر الهائلة التي لحقت بالقطاع، وبعد سنوات من الاستنزاف والملاحقة، فقد تغيرت معادلة القوة على الأرض بصورة جذرية.
ولعل أخطر ما تكشفه التطورات الأخيرة أن إسرائيل لا تكتفي بالاقتحام.
هناك طقوس دينية، وكتب صلاة، وأدوات دينية، ومحاولات لـ تطبيع ما كان يُنظر إليه باعتباره استثناءً أو تجاوزًا.
وفي سبتمبر الجاري، وثقت تقارير فلسطينية اقتحامات جماعية للأقصى وأداء طقوس دينية يهودية داخله تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، فيما حذرت الرئاسة الفلسطينية من أن هذه الممارسات قد تدفع نحو تحويل الصراع السياسي إلى صراع ديني.
وفي أغسطس، وثق تقرير للأوقاف الفلسطينية عشرات الاقتحامات خلال شهر واحد، إلى جانب ممارسات دينية داخل باحات المسجد.
إذن فالمسألة ليست مجرد عدد من المستوطنين يعبرون بوابة المسجد.
المسألة هي: من يختبر حدود الممكن؟ ومن يراقب رد الفعل؟
فكل واقعة تمر بلا كلفة سياسية أو أمنية كبيرة يمكن أن تصبح مقدمة للواقعة التالية.
كتاب صلاة اليوم…
طقس غدًا…
ممارسة جديدة بعد غد…
ثم يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس جزءًا من المشهد المعتاد اليوم.
وهنا تحديدًا تبدو العلاقة بين قوة الردع وجرأة الفعل الاحتلالي جديرة بالنقاش.
فهل كان الاحتلال سيجرؤ على اختبار هذه الحدود بالقدر نفسه في مراحل كانت فيها المقاومة الفلسطينية أكثر قدرة على فرض كلفة مباشرة على مثل هذه الاستفزازات؟
قد يختلف المراقبون في الإجابة، لكن يصعب تجاهل أن اختلال ميزان القوة يفتح دائمًا مساحة أوسع أمام الطرف الأقوى لـ اختبار الحدود.
وهذه ليست دعوة إلى حرب جديدة.
وليست تمجيدًا للمواجهة المسلحة.
بل هي محاولة لـ فهم السياسة بمنطقها البارد:
حين تتراجع القدرة على الردع، ترتفع شهية اختبار الخطوط الحمراء.
وهنا يعود الأقصى إلى قلب المأساة.
فالمسجد لا يدفع فقط ثمن الاحتلال…
بل يدفع أيضًا ثمن الانقسام الفلسطيني، والانقسام العربي، والانقسام الإسلامي، وثمن تحوّل القضية الفلسطينية من قضية جامعة إلى ملف تتنازعه الحسابات والمحاور.
والأكثر سخرية أن الجميع يتفق على أن الأقصى «خط أحمر».
لكن يبدو أن المشكلة في منطقتنا ليست في رسم الخطوط الحمراء…
بل في العثور على شخص يقف عندها!
الجامعة العربية تصدر بيانًا.
والمنظمة الإسلامية تصدر بيانًا.
والعواصم العربية تصدر بيانات.
والأمم المتحدة تُخطر.
ومجلس الأمن يُدعى إلى تحمل مسؤولياته.
ثم يأتي السؤال القديم نفسه:
وماذا بعد البيان؟
لأن الأقصى لا يعيش في البيانات.
الأقصى يعيش في القدس.
والقدس لا تقرأ البيانات.
القدس ترى ما يحدث على الأرض.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يعتاد العالم العربي والإسلامي المشهد الجديد.
أن يصبح اقتحام الأقصى خبرًا يوميًا.
وأن تصبح الطقوس داخله تفصيلًا موسميًا.
وأن يصبح إدخال الكتب الدينية مجرد «تجربة».
ثم نستيقظ ذات صباح لنكتشف أن التجربة أصبحت قاعدة… والقاعدة أصبحت واقعًا… والواقع أصبح أمرًا مفروغًا منه.
وهنا لا يعود السؤال:
لماذا تجرأ الاحتلال؟
بل يصبح السؤال الأكثر قسوة:
لماذا تركناه يكتشف، خطوة بعد خطوة، أنه يستطيع؟
وبينما المعارك بين العرب والمسلمين لا تنتهي…
يبدو أن معركة أخرى تُخاض بهدوء شديد فوق حجارة الأقصى: معركة تغيير الواقع.
أما نحن…
فما زلنا نختلف على من يكتب البيان!

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى