رئيس التحريرسلايدر

النِّيلُ وَالأَرْزُ: حِكَايَةُ عِشْقٍ

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

 

 

يَا لُبْنَانُ، يَا وَطَنَ الجَمَالِ إِذَا تَبَدَّى،
وَيَا وَرْدَةً فِي صَدْرِ شَرْقٍ لَا يَشِيخُ،
أَنَا مِصْرُ، وَالنِّيلُ فِي عَيْنِي حِكَايَةُ عَاشِقٍ،
وَأَنْتَ الأَرْزُ، وَفِي ظِلِّكَ التَّارِيخُ يَسْكُنُ وَيَسْتَرِيحُ.

أَنَا لِيَ الأَهْرَامُ تَرْفَعُ لِلزَّمَانِ جَبِينَهَا،
وَلَكَ بَعْلَبَكُّ، وَحَجَرُهَا لِلشَّمْسِ يَسْتَبْرِقُ،
أَنَا لِيَ النِّيلُ يَجْرِي فِي شَرَايِينِي،
وَلَكَ بَحْرٌ عَلَى شُرُفَاتِ بَيْرُوتَ يَعْشَقُ.

فَكَيْفَ لَا أَهْوَاكَ،
وَفِي كِلَيْنَا حَضَارَةٌ تَسْبِقُ العُمْرَ وَتَخْتَرِقُ؟

—

يَا لُبْنَانُ،
أَلَا تَرَى أَنَّنَا مِنْ طِينَةٍ وَاحِدَةٍ؟

أَنْتَ فِي جَبَلِكَ تَكْتُبُ مَجْدَكَ،
وَأَنَا فِي نِيلِي أَغْسِلُ وَجْهَ السِّنِينَ؛
أَنْتَ تَحْرُسُ الأَرْزَ مِنْ رِيحِ الزَّمَانِ،
وَأَنَا أَحْرُسُ النِّيلَ مِنْ غَدْرِ السِّنِينَ.

أَنْتَ فِينِيقِيٌّ يُرَاجِعُ فِي البَحْرِ أَسْرَارَهُ،
وَأَنَا فِرْعَوْنِيٌّ أَقْرَأُ فِي الحَجَرِ أَخْبَارِي؛
أَنْتَ كَتَبْتَ لِلْبَحْرِ أَوَّلَ أَسْفَارِهِ،
وَأَنَا كَتَبْتُ لِلشَّمْسِ أَوَّلَ أَسْرَارِي.

فَكَمْ مِنْ حَضَارَةٍ تَلَاقَتْ فِي تُرَابِنَا،
وَكَمْ مِنْ حُلْمٍ تَوَلَّدَ بَيْنَ أَحْجَارِنَا!

—

أَنَا القَاهِرَةُ…
وَأَنْتَ بَيْرُوتُ.

أَنَا مَدِينَةٌ تَحْمِلُ فِي لَيْلِهَا أَلْفَ حِكَايَةٍ،
وَأَنْتَ مَدِينَةٌ تَشْرَبُ مِنْ نَافِذَةِ البَحْرِ أَلْفَ أُغْنِيَةٍ.

فِي مَقَاهِيَّ وُلِدَتْ قَصَائِدُ العُشَّاقِ،
وَفِي مَقَاهِيكَ تَنَفَّسَتِ الكَلِمَةُ الحُرَّةُ؛
أَنَا مَدِينَةُ الأَزْهَرِ وَالمَنَارَاتِ،
وَأَنْتَ مَدِينَةُ الكَنَائِسِ وَالأَدْيِرَةِ وَالصَّلَوَاتِ.

فَفِي كِلَيْنَا يَسْكُنُ الإِنْسَانُ،
وَفِي كِلَيْنَا يَتَعَانَقُ الإِيمَانُ وَالمَحَبَّةُ.

—

وَمَا أَعْجَبَ الحُبَّ بَيْنَنَا!

أَنَا أُغَنِّي بِأُمِّ كُلْثُومَ،
وَأَنْتَ تُرَتِّلُ لِلْهَوَى بِفَيْرُوزَ؛
أَنَا أَسْمَعُ عَبْدَ الحَلِيمِ فِي اللَّيْلِ،
وَأَنْتَ تُجِيبُهُ بِوَدِيعِ الصَّافِي.

أَنَا لِيَ اللَّيْلَةُ المِصْرِيَّةُ،
وَلَكَ صَبَاحُكَ البَيْرُوتِيُّ؛
وَإِذَا اجْتَمَعَ الصَّوْتَانِ،
لَمْ يَعُدْ فِي الشَّرْقِ غَرِيبٌ وَلَا نَائِي.

فَمَا بَيْنَ أُمِّ كُلْثُومَ وَفَيْرُوزَ
إِلَّا جِسْرٌ مِنْ حَنِينٍ،
وَمَا بَيْنَ النِّيلِ وَالبَحْرِ
إِلَّا قُبْلَةٌ تَسْبِقُ المَوَاعِيدَ.

—

أَنَا أَكْتُبُ، وَأَنْتَ تَكْتُبُ،
أَنَا أَحْكِي، وَأَنْتَ تَرْوِي،
أَنَا لِيَ الشِّعْرُ، وَلَكَ الشِّعْرُ،
أَنَا لِيَ المَسْرَحُ، وَلَكَ المَسْرَحُ،
أَنَا لِيَ السِّينَمَا، وَلَكَ سِحْرُهَا.

كَمْ مِنْ مُبْدِعٍ عَبَرَ مِنْ مِصْرَ إِلَى لُبْنَانَ،
وَكَمْ مِنْ لُبْنَانِيٍّ حَمَلَ صَوْتَهُ إِلَى مِصْرَ!

كَأَنَّ الفَنَّ فِيمَا بَيْنَنَا
لَا يَعْرِفُ حُدُودًا،
وَكَأَنَّ الكَلِمَةَ
تَحْمِلُ جَوَازَ سَفَرٍ دَائِمًا بَيْنَ قَلْبَيْنِ.

—

وَلَكَ فِي المَائِدَةِ سِحْرٌ،
وَلِي فِي المَائِدَةِ عِطْرٌ؛
أَنْتَ تَضَعُ التَّبُّولَةَ وَالحُمُّصَ وَالكِبَّةَ،
وَأَنَا أَضَعُ الكُشَرِيَّ وَالفُولَ وَالمَحْشِيَّ.

وَإِذَا اجْتَمَعَتْ مَائِدَتَانِ
لَمْ يَبْقَ لِلْجُوعِ مَكَانٌ،
وَإِذَا اجْتَمَعَتْ ضِيَافَتَانِ
لَمْ يَبْقَ لِلْغَرِيبِ غُرْبَةٌ.

فَأَنْتَ كَرِيمٌ كَالجَبَلِ،
وَأَنَا كَرِيمٌ كَالنِّيلِ؛
كِلَانَا إِذَا أَعْطَى
لَا يَسْأَلُ عَنْ ثَمَنٍ.

—

يَا لُبْنَانُ،
كَمْ تُشْبِهُنِي فِي صَبْرِكَ!

مَرَّتْ عَلَيْكَ الرِّيحُ،
فَلَمْ تَقْتَلِعْ أَرْزَكَ؛
وَمَرَّتْ عَلَيَّ المِحَنُ،
فَلَمْ تَسْرِقْ مِنِّي نِيلِي.

تَعِبْنَا… نَعَمْ،
وَلَكِنَّنَا لَمْ نَتَعَلَّمْ كَيْفَ نَمُوتُ.

نَحْنُ ابْنَا شَرْقٍ
يُجِيدَانِ النُّهُوضَ بَعْدَ السُّقُوطِ،
وَيَحْفَظَانِ لِلْغَدِ
مَا يَكْفِي مِنْ أَحْلَامِ الأَطْفَالِ.

—

أَنَا مِصْرُ…
وَفِي قَلْبِي لُبْنَانُ.

وَأَنْتَ لُبْنَانُ…
وَفِي قَلْبِكَ مِصْرُ.

لَا النِّيلُ يَسْأَلُ البَحْرَ عَنْ حُدُودٍ،
وَلَا البَحْرُ يَسْأَلُ النِّيلَ عَنْ جَوَازِ عُبُورٍ؛
إِذَا تَعَانَقَ المَاءُ
لَمْ يَعُدْ لِلْخَرَائِطِ سُلْطَانٌ،
وَإِذَا تَعَانَقَ القَلْبُ
لَمْ يَعُدْ لِلْمَسَافَةِ مَكَانٌ.

فَتَعَالَ يَا لُبْنَانُ،
لِنَكْتُبْ فَوْقَ مَاءِ النِّيلِ وَالبَحْرِ:

**هُنَا مِصْرٌ تُحِبُّ لُبْنَانَ،
وَهُنَا لُبْنَانُ يَرُدُّ الحُبَّ حُبًّا.**

وَلْيَقُلِ التَّارِيخُ مَا شَاءَ،
وَلْتَرْسُمِْ الجُغْرَافِيَا مَا شَاءَتْ؛
فَبَيْنَ قَلْبَيْنِ عَرَبِيَّيْنِ
لَا تَسْتَطِيعُ الخَرَائِطُ أَنْ تَبْنِيَ حَاجِزًا.

**يَا لُبْنَانُ،
يَا أَرْزَةً فِي قَلْبِ مِصْرَ،
وَيَا نِيلًا آخَرَ
يَجْرِي فِي دَمِي.**

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى