
أشرف أبو عريف
حين يلتقي النيل بسيرداريا، لا تلتقي مياه نهرين فحسب، بل تتعانق ذاكرتان حضاريتان، وتتصافح ضفتان تنتميان إلى تاريخ عريق من المعرفة والثقافة والتواصل الإنساني.
ومن القاهرة، وعبر كلمة السفير برويز ميرزازاده، سفير جمهورية طاجيكستان لدى مصر، بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال بلاده، تتجلى صورة لطاجيكستان وهي تمضي بثقة في بناء جسور جديدة مع العالم، وفي مقدمتها جسور الصداقة والتعاون مع مصر.
وفي رحاب هذه الذكرى، جاءت كلمة السفير لتقدم صورة شاملة لمسيرة دولة استطاعت، خلال ثلاثة عقود ونصف، أن تحول استقلالها إلى مشروع لبناء الجسور، وأن تجعل من الانفتاح والتعاون والحوار أدوات راسخة في سياستها الخارجية.
أبواب مفتوحة على العالم
تعكس الكلمة فلسفة الأبواب المفتوحة التي انتهجها فخامة الرئيس إمام علي رحمان، والتي أسهمت في ترسيخ حضور طاجيكستان على الساحة الدولية، وبناء شبكة واسعة من العلاقات المتبادلة مع 186 دولة، في الوقت الذي حظيت فيه باستقلالها باعتراف 192 دولة حول العالم.
وفي قلب هذه الرؤية، تبرز مصر بوصفها شريكًا محوريًا لطاجيكستان، ودولة ذات ثقل تاريخي ودبلوماسي في الشرق الأوسط وأفريقيا.
وتعود جذور العلاقات بين البلدين إلى 1 يناير 1992، عندما اعترفت مصر رسميًا باستقلال طاجيكستان، قبل أن تُقام العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 1 أبريل 1993، لتبدأ رحلة من التواصل أخذت تتسع عامًا بعد عام.
وقد حملت الدبلوماسية الرئاسية هذا التقارب إلى آفاق أرحب، من خلال الزيارات التاريخية للرئيس إمام علي رحمان إلى القاهرة عامي 2007 و2022، فضلًا عن مشاركته في قمة المناخ بشرم الشيخ، بما عكس اهتمام طاجيكستان بتعزيز حضورها في القضايا الدولية الكبرى.
ولم يكن البعد الأكاديمي بعيدًا عن هذا المسار؛ فقد منحت جامعة القاهرة الرئيس إمام علي رحمان درجة الدكتوراه الفخرية، تقديرًا لإسهاماته في دعم السلام والتعاون وتعزيز جسور التواصل بين الشعوب.
من جبال طاجيكستان إلى ضفاف النيل.. دبلوماسية الماء
ولعل أكثر ما يمنح العلاقة بين مصر وطاجيكستان بعدًا رمزيًا عميقًا هو الماء.
فمن أعالي جبال طاجيكستان، حيث تنبع الأنهار وتتشكل منابع الحياة، إلى ضفاف النيل، شريان الحضارة المصرية، يبدو الماء لغة مشتركة تتجاوز الحدود والجغرافيا.
وقد تحولت طاجيكستان، خلال مسيرتها المستقلة، من دولة حبيسة إلى فاعل دولي بارز في صياغة أجندة المياه والمناخ، حيث استعرضت الكلمة اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة ثماني مبادرات دولية تقدمت بها طاجيكستان في مجال الإدارة المستدامة للموارد المائية.
وهنا تتلاقى الرؤية الطاجيكية مع الاهتمام المصري المتزايد بقضايا الأمن المائي والتغير المناخي والاستدامة البيئية، بما يفتح الباب أمام تعاون أوسع، لا يجعل من الماء مصدرًا للحياة فحسب، بل جسرًا للتفاهم والشراكة بين البلدين.
اقتصاد يصنع المستقبل
ولا تقف جسور التعاون عند السياسة والمياه، بل تمتد إلى الاقتصاد والاستثمار، حيث تقدم طاجيكستان للمستثمرين فرصًا واعدة تستند إلى موقعها ومواردها الطبيعية وطاقاتها المتنوعة.
وتضم البلاد خمس مناطق اقتصادية حرة توفر عددًا من المزايا والتسهيلات الاستثمارية، إلى جانب ما تتمتع به من إمكانات كبيرة في الطاقة الكهرومائية والمياه الجوفية والمعادن والأحجار الكريمة.
وتبرز أمام التعاون المصري الطاجيكي آفاق متعددة في قطاعات صناعة الأدوية والنسيج والتعدين والمواد الكيميائية ومواد البناء، إلى جانب الزراعة العضوية والسياحة القائمة على الطبيعة.
وهكذا، يمكن للعلاقة بين البلدين أن تنتقل من دفء العلاقات السياسية إلى شراكة اقتصادية تصنع فرصًا جديدة، وتترجم الصداقة إلى مشروعات، والتقارب إلى مصالح مشتركة مستدامة.
الثقافة.. الجسر الذي لا تحده الحدود
لكن أجمل الجسور، وربما أبقاها، هي تلك التي تبنيها الثقافة.
ومن القاهرة، اختارت سفارة طاجيكستان، بقيادة السفير برويز ميرزازاده، أن تجعل من الكلمة والكتاب والإعلام أدوات إضافية للتقارب بين الشعبين، فأصدرت عام 2025 مجلة «طاجيكستان» باللغة العربية للمرة الأولى في مصر، ثم واصلت هذا المسار بإصدارات خاصة خلال عام 2026 تناولت قضايا المياه والاستدامة.
وفي مناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين للاستقلال، أطلقت في مصر كتابين باللغة العربية يفتحان نافذتين على تاريخ طاجيكستان وثرائها الحضاري:
«طاجيكستان مهد التاريخ والحضارة في ما وراء النهر بآسيا الوسطى»،
و**«التراث العالمي لطاجيكستان»**.
وهما إصداران لا يقدمان معلومات عن بلد فحسب، بل يقدمان دعوة إلى اكتشاف ذاكرة حضارية عريقة، وإلى قراءة آسيا الوسطى بعين مصرية، وقراءة مصر بعين طاجيكية.
النيل وسيرداريا.. حكاية جسر لا ينتهي
إن كلمة السفير برويز ميرزازاده بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين لاستقلال طاجيكستان لا تبدو مجرد استعراض لمسيرة دبلوماسية أو تعداد لمحطات التعاون، وإنما تحمل في جوهرها رؤية لمستقبل يمكن أن تتكامل فيه السياسة والاقتصاد والمياه والثقافة والتعليم.
فبين القاهرة ودوشنبه مسافة جغرافية، لكن بين النيل وسيرداريا مساحة أرحب من الذاكرة الإنسانية المشتركة.
ومن هنا، تبدو الشراكة المصرية الطاجيكية أقرب إلى نهرين يلتقيان في المعنى، وإن اختلفا في المسار؛ كلاهما يحمل قصة حضارة، وكلاهما يشق طريقه نحو المستقبل.
إنها جسور من نور، تبدأ من السياسة، وتمتد عبر الماء والاقتصاد والثقافة، لتصل في النهاية إلى الإنسان؛ ذلك الإنسان الذي يبقى، فوق كل الاتفاقيات والحدود، الغاية الأسمى لكل صداقة بين الشعوب.



