سلايدرسياسة

اليمن والسعودية منذ 2015.. من يُدين الصواريخ العابرة للحدود، ومن يُنصف ضحايا الغارات؟!

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

ليس من العدل أن تتحول المواقف الدولية من الحرب في اليمن إلى ميزان ذي كفتين غير متساويتين؛ كفة تتحرك سريعًا لإدانة الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستهدف الأراضي السعودية، وكفة أخرى لا تحظى فيها معاناة المدنيين اليمنيين بالقدر نفسه من الاهتمام السياسي والإعلامي الذي تستحقه.

أولًا: التدخل العسكري السعودي وتداعياته على اليمن منذ عام 2015

في 26 مارس 2015، بدأت العمليات العسكرية للتحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في اليمن، دعمًا للرئيس عبد ربه منصور هادي، وبعد طلب حكومته التدخل العسكري. وقد استندت السعودية وحلفاؤها إلى مبررات تتعلق باستعادة الحكومة المعترف بها دوليًا، ومواجهة سيطرة الحوثيين وحلفائهم على مؤسسات الدولة، وحماية الأمن الإقليمي.

لكن مشروعية الأهداف المعلنة لا تعفي أي طرف من الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا تمنح أي دولة تفويضًا مفتوحًا لاستخدام القوة دون مراعاة التناسب والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.

وثّق فريق الخبراء الدوليين والإقليميين البارزين المعني باليمن، التابع للأمم المتحدة، وقوع خسائر مدنية واسعة نتيجة العمليات العسكرية. وأشار تقريره المنشور عام 2018 إلى تسجيل ما لا يقل عن 16,706 ضحايا مدنيين بين قتيل وجريح خلال الفترة من مارس 2015 إلى يونيو 2018، مع التحذير من أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر. كما خلص التقرير إلى أن الغارات الجوية للتحالف تسببت في غالبية الخسائر المدنية الموثقة في تلك الفترة.

ووثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، بدورها، غارات للتحالف أصابت منازل وأسواقًا ومستشفيات ومدارس ومساجد ومرافق مدنية أخرى، مطالبة بالتحقيق في الانتهاكات المحتملة ومحاسبة المسؤولين عنها.

هذه الوقائع تفرض سؤالًا قانونيًا وأخلاقيًا واضحًا: إذا كانت حماية المدنيين مبدأً دوليًا لا يتجزأ، فلماذا لا يُمنح المدني اليمني الحق نفسه في الحماية والإنصاف الذي يُطالب به للمدني السعودي؟

ولا يعني ذلك إنكار مسؤولية الحوثيين عن الانتهاكات التي ارتكبوها، أو تبرير الهجمات التي استهدفت الأراضي السعودية وفقًا لما يراه البعض، بل يعني رفض إعفاء أي طرف من المساءلة بسبب موقعه السياسي أو العسكري.

ثانيًا: ازدواجية الإدانة الدولية.. ماذا تقول الوقائع؟

أدانت جهات دولية هجمات الحوثيين على السعودية في مناسبات موثقة. ففي 28 مارس 2018، أصدر مجلس الأمن بيانًا أدان فيه بأشد العبارات الهجمات الصاروخية التي استهدفت مدنًا سعودية، بما فيها الرياض، في 25 مارس من العام نفسه. وأكد البيان ضرورة التزام جميع الأطراف بالقانون الدولي الإنساني، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى اليمن.

وفي 29 سبتمبر 2023، أدان مجلس الأمن هجومًا بطائرة مسيّرة نُسب إلى الحوثيين واستهدف أفرادًا من القوات المسلحة البحرينية المشاركين في التحالف عند الحدود الجنوبية للسعودية، وأسفر عن قتلى ومصابين. ودعا المجلس الأطراف إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي.

لكن السؤال المقابل يظل مشروعًا: كم مرة أصدرت الدول والمنظمات نفسها إدانات صريحة للغارات التي أوقعت ضحايا مدنيين في اليمن، وكم مرة طالبت بتحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عنها؟

للإجابة بدقة، يجب التمييز بين أربعة أنواع من المواقف:

  1. الإدانة السياسية الصريحة لعملية عسكرية محددة.
  2. التنديد بانتهاك القانون الدولي الإنساني دون تسمية المسؤول عنه.
  3. المطالبة بالتحقيق والمساءلة عن غارة أو واقعة بعينها.
  4. التحذير الإنساني من آثار الحرب والحصار وتعطيل المساعدات.

ولا تتساوى هذه الأنواع في الدلالة القانونية أو السياسية، كما لا يجوز جمعها في رقم واحد دون قواعد واضحة تمنع تكرار احتساب الواقعة نفسها.

وتُظهر الوثائق المتاحة أن مجلس الأمن أدان هجمات حوثية محددة على السعودية، في حين وثقت تقارير أممية وحقوقية أضرارًا مدنية واسعة ناجمة عن غارات التحالف داخل اليمن. غير أن إثبات أن الدول والمنظمات أدانت طرفًا مرات أكثر من الطرف الآخر يتطلب إحصاءً منهجيًا لجميع البيانات الرسمية خلال الفترة المحددة، لا الاكتفاء بأمثلة منتقاة.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس إسكات الإدانة الموجهة إلى الحوثيين فحسب، وإنما توسيع نطاق المساءلة ليشمل كل من يستهدف المدنيين أو يرتكب انتهاكات موثقة، بصرف النظر عن هويته.

ثالثًا: الاتفاقات والهدن.. أين تقف مسؤولية علي عبد الله صالح؟

لا يمكن تناول تاريخ الصراع اليمني دون العودة إلى الاتفاقات التي استهدفت وقف القتال، وإعادة الاستقرار، ومنع انتقال المواجهات إلى الأراضي السعودية.

ومن الاتفاقات الموثقة في هذا السياق اتفاق وقف إطلاق النار المكوّن من ست نقاط بين الحكومة اليمنية والحوثيين، الذي دخل حيز التنفيذ في 12 فبراير 2010. وتضمنت بنوده وقف إطلاق النار، وفتح الطرق، وإزالة الألغام، والانسحاب من مناطق محددة، وإعادة الأسلحة والممتلكات، وإطلاق المحتجزين، والالتزام بالقانون والدستور، وعدم الاعتداء على الأراضي السعودية.

لكن من الضروري هنا تصحيح نقطة تاريخية: لا يثبت المرجع المتاح أن هذا الاتفاق أبرمه الملك عبد الله بن عبد العزيز شخصيًا مع الحوثيين، أو أنه كان اتفاقًا ثنائيًا برعايته المباشرة. ولذلك لا يصح نسبته إليه دون وثيقة إضافية تحدد تاريخ الاتفاق وأطرافه ومضمون الوساطة.

أما علي عبد الله صالح، الرئيس اليمني السابق، فقد لعب دورًا محوريًا في تطورات الصراع اليمني. وبعد خروجه من السلطة، تحالف حزبه وقوات موالية له مع الحوثيين، وأسهم هذا التحالف في تغيير موازين القوى داخل اليمن. وتشير تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة إلى أن دعم صالح وشبكاته السياسية والعسكرية كان عاملًا مهمًا في تقدم الحوثيين خلال المرحلة السابقة للتدخل العسكري للتحالف.

وفي ديسمبر 2017، انهار التحالف بين صالح والحوثيين، وانتهى بمقتل صالح في صنعاء، بعد أن دعا إلى فتح صفحة جديدة مع التحالف بقيادة السعودية.

وتكشف هذه الوقائع عن تعقيد المشهد اليمني؛ فالعلاقات بين الأطراف لم تكن ثابتة، والتحالفات تبدلت وفق الحسابات السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل اختزال الحرب في مواجهة ثنائية بين السعودية والحوثيين تبسيطًا لا يعكس جميع حقائقها.

أما القول إن صالح اخترق اتفاقًا أبرمه الملك عبد الله، أو إنه فعل ذلك بصفته مواليًا للسعودية، فيحتاج إلى تحديد الاتفاق المقصود، وتقديم دليل على نصوصه، وأطرافه، والالتزامات التي جرى خرقها. فلا يجوز تقديم هذه العلاقة بوصفها حقيقة ثابتة قبل استكمال التوثيق التاريخي.

رابعًا: الجامعة العربية والتعاون الإسلامي.. تضامن معلن مع الرياض وأسئلة مشروعة عن ضحايا اليمن

تكشف البيانات الرسمية الصادرة عن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي عن مواقف واضحة ومتكررة في إدانة الهجمات الحوثية على السعودية، وإعلان التضامن معها. ففي يوليو 2026، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تضامن الجامعة مع المملكة إزاء الهجمات الصاروخية التي استهدفت جنوبها، كما أدانت منظمة التعاون الإسلامي هجمات نُسبت إلى الحوثيين على مطارات سعودية في أكتوبر من العام نفسه.

وتؤكد هذه المواقف ضرورة طرح سؤال موازٍ: هل حظيت الغارات الجوية التي أوقعت ضحايا مدنيين في اليمن بالمستوى نفسه من الإدانة السياسية الصريحة، وبالقدر نفسه من التضامن المؤسسي مع الضحايا اليمنيين؟

إن وجود مقر منظمة التعاون الإسلامي في جدة، وما للمملكة العربية السعودية من ثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي داخل المنظومة العربية والإسلامية، يبرران البحث الجاد في مدى تأثير موازين القوى الإقليمية على صياغة بيانات المنظمتين وأولوياتهما. لكن إثبات أن هذا التأثير تحوّل إلى هيمنة سعودية أو هيمنة مشتركة مع دول أخرى يستلزم تحليل آليات اتخاذ القرار، ومواقف الدول الأعضاء، ومضمون البيانات الصادرة عن كل منظمة، لا الاكتفاء بموقع المقر أو بثقل دولة عضو.

وتزداد أهمية هذا السؤال عندما تقارن البيانات التي تتضمن إدانة صريحة للهجمات الحوثية بما وثقته الأمم المتحدة من انتهاكات ارتكبتها أطراف متعددة في اليمن، بما فيها الحكومة اليمنية والتحالف بقيادة السعودية والحوثيون. ففي تقريرها الصادر عام 2019، تحدثت مجموعة الخبراء الدوليين بشأن اليمن عن غياب واسع للمساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، ودعت إلى حماية المدنيين وتحقيق العدالة لجميع الضحايا.

ومن ثم، فإن المطالبة بالإنصاف لا تعني تبرير الهجمات الحوثية فقط، بل تعني أن تكون حماية المدنيين اليمنيين والسعوديين مبدأً واحدًا لا يتغير بتغير هوية الطرف المسؤول. فالمؤسسات العربية والإسلامية مطالبة بأن تجعل كرامة الإنسان وأمنه معيارًا ثابتًا لمواقفها، وأن تمنح ضحايا الحرب في اليمن حقهم في الإدانة والتحقيق والمساءلة، كما تمنح هذا الحق لضحايا الهجمات داخل السعودية.

الخاتمة: متى تأخذ العدالة مجراها؟

ويبقى السؤال الذي لا يجوز أن يغيب خلف ضجيج الصواريخ والبيانات السياسية: متى تأخذ العدالة مجراها بين جميع أطراف النزاع؟

ليس الهدف وقف الحرب فحسب، بل إنقاذ الأبرياء؛ الأطفال والشيوخ والنساء، والحيوانات، وسائر الكائنات الحية، وحماية البيئة ومقومات الحياة من ويلات الصراع وهمجية الحروب وغرور القوة.

فأي انتصار يُمكن أن يُحتفى به فوق أنقاض المنازل، وأمام دموع الأمهات، وأشلاء الأطفال، وموت الأبرياء الذين لا يملكون قرار الحرب ولا أدواتها؟

إن العدالة لا تعرف جنسية الضحية، ولا تمنح حصانة للمعتدي بسبب نفوذه أو تحالفاته. وما لم يخضع جميع أطراف النزاع لمعيار واحد من المساءلة، فستظل الإدانة انتقائية، وستظل دماء الأبرياء معلّقة بين الحسابات السياسية وموازين القوة.

متى ينتصر ضمير الإنسانية على غرور القوة، ويصبح إنقاذ الحياة أسمى من كل صراع، وتكون العدالة للجميع بلا استثناء؟

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى