
رئيس التحرير يكتب
تُبرز المعطيات الاقتصادية الأخيرة تحولاً استراتيجياً في السياسة الخارجية والنمو الاقتصادي لجمهورية أوزبكستان؛ إذ أصبحت منصات التعاون متعدد الأطراف—وعلى رأسها مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا (سيكا) ورابطة الدول المستقلة—شرايين رئيسية تغذي حركة التجارة، وتدعم طموحات الصناعة، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار اللوجستي والتكنولوجي.
1. الثقل التجاري: منظمة “سيكا” كمحرك محوري للتجارة الخارجية
تأتي أرقام النصف الأول من عام 2026 لتؤكد المكانة الاستراتيجية لأعضاء منظمة “سيكا” (التي تضم 28 دولة) بالنسبة لأوزبكستان:
-
أكثر من نصف التجارة الخارجية: استحوذت خمس دول من أعضاء المنظمة فقط (الصين، روسيا، كازاخستان، تركيا، وأفغانستان) على نحو 53 بالمئة من إجمالي حجم التجارة الخارجية لأوزبكستان.
-
التكامل الثنائي ومتعدد الأطراف: توفر منصة “سيكا”—والتي عقدت قمتها السابعة في باكو بتاريخ 15 أكتوبر 2026 برئاسة أذربيجان—إطاراً كفؤاً لتنسيق المشاريع الاستثمارية واللوجستية الضخمة التي تتطلب موافقة وتنسيقاً عابراً للحدود بين عدة دول.
2. الشراكة الاستراتيجية مع دول رابطة الدول المستقلة
تُظهر البيانات نمواً متسارعاً وشبكات أعمال عميقة مع دول الرابطة:
-
نمو التجارة (2020 – 2025): ارتفعت المبادلات التجارية من 11.8 مليار دولار إلى 28.1 مليار دولار (نمو مضاعف خلال 5 سنوات).
-
التجارة في النصف الأول من 2026: بلغت المبادلات في الفترة من يناير إلى يوليو نحو 18.3 مليار دولار، بمعدل نمو وصل إلى 122.7 بالمئة.
-
الشركات الاستثمارية المشتركة: يعمل في أوزبكستان ما يقارب 5800 شركة باستثمارات من روسيا، كازاخستان، أذربيجان، وتادجيكستان حتى بداية أغسطس 2026.
3. الربط اللوجستي والممرات متعددة الوسائط
تُعطي أوزبكستان أولوية قصوى لربط منطقة وسط آسيا بمناطق جنوب وشرق آسيا والشرق الأوسط:
-
حوار ترمذ الثاني للتواصل (يونيو 2026): ركز على اللوجستيات الرقمية والممرات المترابطة، مع تسليط الضوء على بنية محطة ترمذ للشحن ومركز أيريتوم للتجارة الدولية لتسهيل حركة البضائع.
-
الموانئ وبحر قزوين (سبتمبر 2026): ناقش مؤتمر رؤساء موانئ دول “سيكا” في باكو الربط السككي والبري بالمسارات البحرية عبر بحر قزوين.
-
تسهيل الإجراءات والجمركة: تسهم إدارة المستندات الإلكترونية وإزالة الحواجز غير الجمركية داخل نطاق الرابطة في تقليل زمن التخليص الجمركي وتدفق البضائع.
4. الاقتصاد المعرفي وتكامل التكنولوجيا والصناعة
-
الذكاء الاصطناعي والأتمتة: شهد منتدى الصناعات الابتكارية للرابطة في طشقند (أبريل 2026) مناقشات موسعة حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي والربط بين البحث العلمي والصناعة.
-
دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة: تتيح سلاسل القيمة المضافة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة توريد المكونات والخدمات المتقدمة للمجمعات الصناعية الكبرى.
-
منتدى المناطق الأول (2025): أسهم في تعزيز الروابط المباشرة بين مجتمعات الأعمال الإقليمية لنقل التكنولوجيا وتطوير المواد الحديثة.
5. المنصات المالية وجذب الاستثمارات
-
القمة المالية لمنظمة سيكا (أستانا – 8 سبتمبر 2026): شكلت القمة الأولى حجر أساس لمناقشة تمويل التنمية، والحلول الرقمية المالية، والاستثمار المؤسسي.
-
استعراض الفرص الاستثمارية: تمنح هذه المنصات أوزبكستان نافذة مباشرة لعرض مشاريعها الكبرى في قطاعات الطاقة، اللوجستيات، والصناعة التحويلية أمام المستثمرين.
الخلاصة: إن المشاركة الفاعلة لأوزبكستان في التكتلات متعددة الأطراف ليست مجرد دبلوماسية اقتصادية، بل خطة عملية تهدف لتوليد قيمة مضافة عالية محلياً، وتأمين عقود تصدير طويلة الأجل، وتأسيس قواعد تصنيع متقدمة تعزز موقع البلاد كمركز لوجستي وصناعي محوري في قلب آسيا.



