سلايدرسياسة

الدروز بين نيران الداخل ووعود الخارج: حماية طائفية أم مناورة إسرائيلية؟

Listen to this article

تحقيق: بسمة عبدالمحسن الجالوس

في 13 يوليو 2025، تحوّلت شوارع مدينة السويداء السورية إلى مسرح دموي لصدامات طائفية عنيفة، بين ميليشيات درزية ومجموعات بدوية سنية. الشرارة كانت احتجاز شاب درزي يعمل بائع خضار على يد مسلحين من البدو، لكن النيران اشتعلت في هشيم قديم من التوتر والشك المتبادل، لتسفر الاشتباكات عن أكثر من 600 قتيل، بينهم 257 من عناصر الجيش والداخلية و304 من أبناء السويداء، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وراء الأرقام، تقف أسئلة أعمق: من يحمي الدروز؟ ولماذا تتحرك إسرائيل كلما اشتعلت النار في جبل العرب؟ وهل يُستخدم الغطاء الطائفي لتمرير مشاريع توسعية إقليمية؟

الدروز: طائفة منغلقة بعلاقات متشابكة

يُعد الدروز من الطوائف القليلة التي حافظت على خصوصية دينية شديدة في المشرق العربي، وتتركز أعدادهم في سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة، بينما يغيب وجودهم عن مصر، بحسب ما أوضحه السفير عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، الذي أشار إلى أن الدروز يعتبرون أنفسهم “أمة موحدة”، لا تنضوي تحت التصنيفات الدينية التقليدية.

السفير عبدالله الأشعل..

وأضاف السفير الأشعل: يُعرف عن الدروز في إسرائيل انخراطهم الواسع في الجيش الإسرائيلي، حيث يشكّلون أحد مكونات وحدات النخبة العسكرية، وهو ما وصفه الأشعل بـ”العداء المكشوف تجاه العرب”.

وأكد السفير عبدالله، “إسرائيل تراهن على علاقتها ببعض القيادات الدرزية وتستثمر في التوترات الطائفية، بهدف تقويض سلطة الحكومة السورية، وفرض نفسها كضامن للأمن المحلي في السويداء.”

وبرأي الأشعل، فإن الانقسامات الطائفية في سوريا تمثّل ناقوس خطر لدول الجوار، محذرًا من إمكانية تسرب الفوضى إلى الداخل المصري إذا لم يتم تحصين المجتمع مبكرًا ضد خطاب الفتنة والانقسام.

التدخل الإسرائيلي: حماية درزية أم زحف استيطاني؟

من زاوية أمنية، يؤكد الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية والأمن القومي، أن ما يجري يدخل تحت بند “الصراعات المتجددة”، أي تلك التي لا تصل إلى حلول نهائية بل تتغذى على التخوين والإثنية، ما يوفّر لإسرائيل الذريعة المثالية للتدخل تحت شعار “حماية الدروز”.

د. رامى عاشور..

ويضيف عاشور: “الهدف الخفي هو التمهيد لتوسيع الاستيطان الإسرائيلي لما بعد مرتفعات الجولان، وفرض واقع جديد على الأرض، يضغط باتجاه دفع دمشق نحو التطبيع، ليس من باب المصلحة، بل من باب الإكراه العسكري والسياسي.”

سوريا المتصدعة: بين صراعات الداخل وأطماع الخارج

أما السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، فرأى أن الدولة السورية “لا تحتمل مزيدًا من الصراعات الطائفية”، خصوصًا في ظل ما وصفه بـ”تشابك التدخلات الخارجية”، مشيرًا إلى دور كل من تركيا، الولايات المتحدة، إسرائيل، وفرنسا في تمزيق الساحة السورية.

واعتبر السفير بيومي أن أخطر ما تواجهه الدولة هو الارتهان لحلول أجنبية، مضيفًا:

السفير جمال بيومي.. مساعد وزير الخارجية الأسبق.

“اللجوء إلى الخارج بدلًا من حل الخلافات داخليًا يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع، تمامًا كما يحدث الآن.”

ورغم سوداوية المشهد، يرى بيومي في النموذج اللبناني مثالًا يحتذى في إدارة التنوع الطائفي، من خلال نظام يوزّع السلطات بين الطوائف الرئيسية، بما يضمن توازنًا دقيقًا يحول دون الانفجار.

واختتم حديثه بإشادة بـ”النموذج المصري” الذي—رغم كل المحاولات—فشل فيه دعاة الفتنة في تمزيق النسيج الوطني، مؤكدًا:

“عندما أقول أنا مصري، لا يهم إن كنت من أسوان أو الإسكندرية، فكلنا ننتمي إلى وطن واحد. هناك محاولات متكررة لإشعال فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، لكنها فشلت، وستفشل دومًا.”

الخاتمة: بين الهوية والمصالح

تُعيد اشتباكات السويداء فتح ملف الأقليات في المشرق، ليس بوصفها شأناً داخليًا، بل كأداة تُستثمر دوليًا وإقليميًا في سياقات توسع، ومقايضات سياسية، وصراعات نفوذ. وإذا كان الدروز اليوم تحت الحماية، فغدًا قد يصبحون غطاءً لمشاريع لا تمثلهم، ولا تخدم سوى حسابات أبعد بكثير من الجبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى