رأىسلايدر

تحت جليد الصمت… جرينلاند وسيناريو القوة في الحرب الباردة الجديدة

Listen to this article

د. محمد عبدالعظيم يكتب

في أقصى الشمال، حيث يبدو الجليد ساكنًا والخرائط بعيدة عن ضجيج العناوين العاجلة، تتشكّل واحدة من أكثر ساحات التنافس الدولي تعقيدًا في النظام العالمي الراهن. فقد عاد الاهتمام بجرينلاند وبالقطب الشمالي إلى الواجهة خلال الأشهر الأخيرة، مدفوعًا بتكهنات إعلامية وسياسية متباينة: بعضها يُحذّر من حصار وشيك وأساطيل معادية تطوّق الجزيرة، وبعضها الآخر يستخف بأهمية المنطقة، معتبرًا إياها هامشًا جغرافيًا أمام بؤر التوتر المشتعلة في أوروبا الشرقية أو المحيطين الهندي والهادئ.
غير أن كلا التصورين يُخطئ قراءة الواقع.

فجرينلاند ليست محاصرة، وليست أيضًا بلا وزن استراتيجي. إنها نقطة ارتكاز داخل بيئة أمنية آخذة في التشكل، تتسم بعدم التماثل، وبمنافسة طويلة الأمد، وبامتزاج الأدوات العسكرية بالبنية التحتية والاقتصاد والفضاء.

وقد كان لافتًا أن أشارت صحيفة فايننشال تايمز إلى غياب أي دليل موثوق على وجود قوات بحرية صينية أو روسية تحاصر جرينلاند، وهو ما عززته الحكومات الإسكندنافية استنادًا إلى تقييمات استخباراتية لحلف شمال الأطلنطي. هذه المعطيات دقيقة وضرورية في مواجهة الخطابات المثيرة، لكنها لا تعني أن القطب الشمالي ينعم بحصانة استراتيجية. فغياب الأزمة لا ينفي وجود التحول البنيوي.

العودة الروسية إلى الجليد
ما يمكن التحقق منه بوضوح هو أن روسيا أعادت خلال العقد الماضي بناء وضعيتها العسكرية في القطب الشمالي، لتجعل من أسطول الشمال مجددًا حجر زاوية في عقيدتها الدفاعية. وقد شمل ذلك تحديث القواعد الجوية، والمنشآت الرادارية، وأنظمة الصواريخ، بما يخدم مفهوم “دفاع الحصن” وحماية القدرة على الضربة النووية الثانية.
وتكتسب أنشطة الغواصات الروسية أهمية خاصة، لا سيما في فجوة جرينلاند–آيسلندا–المملكة المتحدة (GIUK)، التي عادت لتحتل موقعًا مركزيًا في حسابات الأمن الأطلسي، باعتبارها بوابة حيوية لحركة التعزيزات والبنية التحتية البحرية تحت السطح.

الصين: حضور بلا أساطيل
في المقابل، لا تمتلك الصين وجودًا عسكريًا مباشرًا في هذه المياه، لكن غياب الأساطيل لا يعني غياب التأثير. فبكين تنخرط في القطب الشمالي عبر البحث العلمي، وكاسحات الجليد، والاستثمار، والمشاركة في أطر الحوكمة، مقدمة نفسها كـ«دولة قريبة من القطب الشمالي». وهو توصيف رمزي يعكس استراتيجية تقوم على تشكيل البيئة الاستراتيجية قبل دخول المنافسة الصلبة.

ويمثل التعاون الصيني–الروسي في تطوير طريق البحر الشمالي تجسيدًا لهذا النهج؛ فالممر الذي يُسوّق تجاريًا يحمل في طياته أبعادًا جيوسياسية عميقة، ويؤسس لما يمكن وصفه بمتجه مخاطر “التنين–الدب”: روسيا بالقوة العسكرية والجغرافيا، والصين بالاقتصاد والتكنولوجيا والاتصال العالمي.

جرينلاند: مكشوفة بلا حصار
في قلب هذا المشهد، تبرز جرينلاند بوصفها مساحة استراتيجية محكومة بالحذر. فهي تستضيف قاعدة بيتوفيك الفضائية الأمريكية، وتملك موارد نادرة ذات أهمية قصوى للتكنولوجيا المتقدمة، ما جعلها هدفًا لاهتمام صيني متكرر في مجالي التعدين والبنية التحتية. غير أن الحسابات الأمنية والبيئية، إلى جانب التشاور مع واشنطن، حالت دون ترجمة هذه الاهتمامات إلى واقع.

وهكذا، لا تُفهم جرينلاند بوصفها منطقة مهملة، بل باعتبارها فضاءً يخضع لسياسة حرمان من النفاذ، تُدار فيه الاستثمارات والبنية التحتية وفق منطق استراتيجي طويل الأمد.

بين الهلع والإنكار
التحدي الحقيقي في الخطاب الغربي والأوروبي هو الوقوع بين نقيضين: التهويل الذي يُنتج ذعرًا غير مبرر، والتقليل الذي يُضعف الاستعداد للتحولات الجارية. والحقيقة أن القطب الشمالي ليس ساحة حرب وشيكة، لكنه أصبح ساحة استراتيجية مكتملة الأركان، يتقاطع فيها الردع النووي، وأمن الفضاء، وحرب ما تحت سطح البحر، وسلاسل الإمداد العالمية.

خاتمة
إن “الحرب الباردة الجديدة” في أقصى الشمال لا تُدار عبر استعراضات بحرية صاخبة، بل عبر البنية التحتية، وإتاحة الوصول، والتحكم في المسارات. فجرينلاند ليست محاصرة، لكنها مكشوفة؛ والقطب الشمالي ليس ساحة قتال، لكنه مسرح تنافس طويل النفس. وإدراك هذا الفارق هو المدخل الوحيد لإدارة عقلانية لمستقبل تُمارَس فيه القوة بقدر ما تُبنى، وبقدر ما تُحجَب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى