رئيس التحريرسلايدر

حِينَ يُعَانِقُ العَذْبُ مُلُوحَةَ القَدَر

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

 

تَلَاقَتْ حَبَّاتُ المَطَرِ العَذْبِ
بِصَدْرِ البَحْرِ المُتْخَمِ بِالمِلْحِ،
فَارْتَجَفَ الأُفُقُ نَشِيدًا خَفِيًّا
كَأَنَّ السَّمَاءَ تُلْقِي رَسَائِلَهَا
فِي حِضْنِ شَيْخٍ أَنْهَكَتْهُ الأَزْمِنَةُ.

تَقَدَّمَتْ قَطَرَاتُ الغَيْمِ
بِحَيَاءِ عَذْرَاءٍ تُزَفُّ إِلَى المَجْهُولِ،
تَسْأَلُ المَوْجَ:
كَيْفَ يُقَبِّلُ العَطَشُ ارْتِوَاءَهُ؟
وَكَيْفَ يُصَافِحُ النَّقِيضُ نَقِيضَهُ
دُونَ أَنْ يَنْكَسِرَ المَعْنَى؟

فَابْتَسَمَ البَحْرُ—
وَقَدْ خَبِرَ الحَنِينُ مُنْذُ أَوَّلِ المَدِّ—
وَقَالَ:
أَنَا مُلُوحَةُ الدَّمْعِ حِينَ يَطُولُ الِانْتِظَارُ،
وَأَنْتِ عُذُوبَةُ اللِّقَاءِ حِينَ يُشْفَى الغِيَابُ،
فَإِنْ ذُبْنَا… صِرْنَا حِكَايَةً
تُرْوَى بَيْنَ المَدِّ وَالجَزْرِ.

وَلَمْ يَكُنِ اللِّقَاءُ ذَوْبَانًا فَقَطْ،
بَلْ كَانَ تَبَادُلًا خَفِيًّا لِلصِّفَاتِ،
فَالمَاءُ العَذْبُ إِذَا لَامَسَ المِلْحَ
لَا يَفْقِدُ نَقَاءَهُ… بَلْ يَتَعَلَّمُ الاِتِّسَاعَ،
وَالمِلْحُ إِذَا عَانَقَ العَذْبَ
يَلِينُ… كَأَنَّهُ ذَاقَ طَعْمَ الحَنَانِ.

كَذَلِكَ العَاشِقَانِ—
لَا يَذُوبُ أَحَدُهُمَا فِي الآخَرِ فَنَاءً،
بَلْ يَغْتَرِفُ مِنْهُ حَلَاوَتَهُ،
فَتُصْبِحُ هِيَ أَعْذَبَ بِهِ،
وَيُصْبِحُ هُوَ أَرَقَّ بِهَا،
حَتَّى إِذَا الْتَقَيَا…
لَمْ يَعُودَا كَمَا كَانَا،
بَلْ أَجْمَلَ مِمَّا كَانَا.

وَزَغَارِيدُ الوَرْدِ فِي زَوَايَا البَسَاتِينِ
تَتَعَالَى كَأَجْنِحَةِ الفَرَحِ،
تُنَادِي:
يَا عَاشِقَيْنِ تَلَاقَتْ أَنْفَاسُهُمَا
عَلَى حَدِّ اخْتِلَافِ المَصِيرِ،
تَعَالَيَا نُكَلِّلُ هَذَا العِنَاقَ
بِأَكَالِيلِ الضَّوْءِ وَالعِطْرِ.

فَيَهْطِلُ الحَنِينُ اسْتِعَارَةً،
وَتَنْثَنِي اللُّغَةُ كِـنَايَةً عَنِ الشَّوْقِ،
وَتَتَرَاقَصُ التَّشْبِيهَاتُ
كَفَرَاشَاتٍ تُحَاوِرُ النَّدَى،
حَتَّى يَغْدُو اللِّقَاءُ مَجَازًا
لَا يُفَسَّرُ… بَلْ يُعَاشُ.

وَهُنَاكَ—
حَيْثُ لَا يَعُودُ البَحْرُ بَحْرًا،
وَلَا المَطَرُ مَطَرًا—
يَذُوبُ العَاشِقَانِ فِي بَعْضِهِمَا،
كَأَنَّهُمَا سُؤَالٌ وَاحِدٌ
أَجَابَ عَنْ نَفْسِهِ
بِعِنَاقٍ.

سُبْحَانَ مَنْ أَجْرَى اللِّقَاءَ بِحِكْمَةٍ،
فِي اخْتِلَاطِ العَذْبِ بِالمِلْحِ سِرٌّ لَا يُرَى،
يُطَهِّرُ البَحْرَ وَيُجَدِّدُ نَبْضَهُ،
وَيُعَلِّمُ القَلْبَ أَنَّ فِي الاِخْتِلَافِ حَيَاةً.

مَا بَيْنَ قَطْرَةٍ تَاهَتْ فِي أَمْوَاجِهِ،
وَبَحْرٍ احْتَوَى الضَّيَاعَ بِرَحْمَةٍ،
تُولَدُ الحِكْمَةُ:
أَنَّ مَا نَخْشَاهُ ذَوْبَانًا،
قَدْ يَكُونُ بَدَايَةَ النَّقَاءِ.

فَيَا مَنْ رَأَى فِي اللِّقَاءِ فَنَاءً،
تَأَمَّلْ…
كَيْفَ يُصْبِحُ الفَنَاءُ خُلُودًا
إِذَا كَانَ فِي كَنَفِ اللَّهِ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى