رئيس التحريرسلايدر

حِوارُ رَحيقٍ ورَحيل!

Listen to this article

شعر: أشرف أبو عريف

 

تُزَهْزِهُ أَغْصَانٌ وَيَهْتِفُ زَهْرُهَا
     بِعِطْرٍ يُجَلِّي فِي السَّمَاءِ سَنَاهَا

وَيَفْتَحُ فِي الأُفْقِ الرَّحِيبِ جَنَاحَهُ
     لِيَرْفَعَ أَقْدَارًا وَيَسْمُو نَدَاهَا

فَتَشْهَدُ خَلْقَ اللهِ تَشْتَمُّ رِيحَهَا
     وَيَهْتِزُّ قَلْبٌ قَدْ أَفَاقَ هُدَاهَا

وَيَهْدِي المُحِبُّ لِمَنْ يُحِبُّ زُهُورَهُ
     فَتَسْكُنُ فِي الأَرْوَاحِ أَجْمَلُ ذِكْرَاهَا

حَتَّى إِذَا جَاءَ الوَدَاعُ، تَفَرَّقَتْ
     غُصُونُ رَحِيقٍ عَنْ رَحِيلٍ سَرَاهَا

فَقَالَتْ «رَحِيلٌ»: هَلْ سَيَنْقَطِعُ الصَّدَى؟
     أَمِ الوُدُّ يَبْقَى فَوْقَ عَرْشٍ بِنَاهَا؟

فَهَمْسَتْ «رَحِيقٌ»: لَا انْقِطَاعَ لِمَوْدَةٍ
     بَنَاهَا الَّذِي فَوْقَ الْمَلَائِكِ رَسَاهَا

وَيَا قَوْمُ: هَذَا الخَلْقُ حَقٌّ تَفَكَّرُوا
     فَفِي كُلِّ نَبْتٍ آيَةٌ مِنْ سَنَاهَا

زُهُورٌ، وَأَغْصَانٌ، وَرَيْحَانُ نَفْحَةٌ
     تُصُولُ عَلَى الأَوْجَاعِ تُبْرِئُ جُفَاهَا

وَلَكِنَّهَا تَبْكِي إِذَا مَدَّ قَاطِفٌ
     يَدَيْهِ، فَيَجْنِي مِنْ جَمَالٍ أَذَاهَا

وَكَمْ أَتَأَلَّمُ لَمَّا أَقْطِفُ نَعْنَعًا
     لِعِطْرِ شَرَابٍ، قَدْ رَضِيتُ شَفَاهَا

فَأَعْتَذِرُ الْيَوْمَ الَّذِي أَخَذَتْهُ يَدِي
     لِغُصْنٍ بِعَيْنِ الأُمِّ يَبْكِي فَقْدَهَا

وَأَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِقَلْبٍ نَسِيَ الهُدَى
     فَمَا أَنْصَفَ الدُّنْيَا، وَمَا أَرْفَقَ نَفْسَهَا

أَأَبْتَهِجُ الرُّوحُ الَّذِي نَالَ نَفْحَةً؟
     وَقَدْ مِتَّ غُصْنًا؟! وَالأُمُومَةُ رَثَّاهَا؟

أَيَا نَفْسُ، مَهْلًا… لَيْسَ حَقًّا تَجَنِّي الــ
     رَّوَائِحِ وَالأَغْصَانُ تَشْكُو أَسَاهَا

فَهَذَا رَحِيلٌ يَبْدَأُ الْعُمْرَ نَفْحَةً
     وَهَذَا رَحِيقٌ يَحْفَظُ الحُبَّ مَأْوَاهَا

وَفِي كُلِّ ثَمْرٍ دَرْسُ خَلْقٍ نُرَاجِعٌ
     عِنَبٍ، وَتَمْرٍ، وَالرُّمَّانِ لَوْ تَتْلُو رُؤَاهَا

تَمُوتُ جُسُومٌ ثُمَّ تُولَدُ نُورَةً
     فَيَبْقَى الَّذِي لِلَّهِ يَرْفَعُ عُلَاهَا

فَلَحْظَةُ وَقْفٍ بَيْنَ دُنْيَا وَآخِرٍ
     تَضُمُّ وُجُودًا، ثُمَّ تُحْدِثُ إِمْضَاهَا

هُنَالِكَ يَبْقَى الحُبُّ، لَا فَوْقَ غَيْرِهِ
     فَمَا انْقَطَعَ الوِدُّ الَّذِي اللهُ أَرْضَاهَا

فَيَا رَبُّ هَبْ لِلْقَلْبِ نُورًا مُبَصِّرًا
     يَرَى فِي خَلِيقَاتِ الوُجُودِ هُدَاهَا

وَيَا رَبُّ عَلِّمْنَا الرِّفَاقَةَ فِي الثَّرَى
     لِمَا أَنْبَتَتْهُ الأَرْضُ مِنْ أَحْيَاهَا

فَنَحْنُ شُهُودٌ فِي مَمَرِّ دِيَارِنَا
     وَلَسْنَا أُسَارَى لِلْهَوَى أَوْ شَهْوَاهَا

وَجُودُكَ – يَا رَبَّ السَّمَاوَاتِ – رَحْمَةٌ
     تُرَبِّي القُلُوبَ وَتَرْفَعُ الأَسْنَاهَا

وَإِنَّ مِنَ التَّقْوَى رِعَايَةَ نَبْتَةٍ
     تُسَبِّحُ فِي اللَّيْلِ العَمِيقِ إِلَاهَا

وَمَا النَّبْتُ إِلَّا آيَةٌ فِي جَمَالِهِ
     تَدُلُّ عَلَى رَبٍّ عَظِيمٍ سَنَاهَا

فَيَا رَبَّنَا اجْعَلْنَا لِخَلْقِكَ رُحْمَةً
     وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا تُنَادِي عَمَاهَا

وَخُذْ بِيَدِ الرُّوحِ الَّتِي خَانَهَا الهَوَى
     إِلَى نُورِكَ الأَبْقَى، وَيَا رَبَّ حَيَّاهَا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى