رئيس التحريرسلايدر

موسكو وبكين على خط الوساطة.. صدفة أم هندسة سياسية؟

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

 

في مشهدٍ يبدو وكأنه تنسيق غير مُعلن لكنه شديد الدلالة، جاءت زيارة وزير خارجية باكستان إلى الصين، بالتزامن مع تحرك وزير خارجية مصر د. بدر عبدالعاطيى الملقب ب”مهندس الدبلوماسية المصرية” نحو روسيا، لتفتح الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي، نحو هندسة سياسية جديدة لمعادلة الوساطة الدولية.

هذه التحركات المتوازية لا يمكن فصلها عن تداعيات التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث باتت المنطقة أمام احتمال انزلاق واسع نحو مواجهة إقليمية مفتوحة، ما يستدعي تدخل قوى كبرى تمتلك أدوات الضغط الفعلية، وليس فقط بيانات الإدانة.

قراءة في التوقيت: صدفة أم ترتيب؟

التزامن بين التحركين المصري والباكستاني لا يبدو عفوياً. فكل من القاهرة وإسلام آباد تدركان أن الوسيط التقليدي لم يعد قادراً على فرض إيقاع التهدئة، خاصة في ظل انحياز واشنطن الواضح.

هنا تبرز فكرة تدويل الوساطة عبر محور موسكو–بكين، باعتبارهما القوتين القادرتين على:

  • موازنة النفوذ الأمريكي
  • التأثير على طهران
  • فرض كلفة سياسية على تل أبيب

وبالتالي، فإن اختيار الصين وروسيا لم يأتِ من فراغ، بل من حسابات دقيقة لموازين القوة.

اللقاء الرباعي في إسلام آباد: البذرة الأولى

لا يمكن فهم هذا الحراك دون العودة إلى اللقاء الرباعي الذي شهدته إسلام آباد قبل أيام، والذي شكّل نقطة الانطلاق الفعلية لهذا التنسيق.

ذلك اللقاء لم يكن مجرد اجتماع عابر، بل حمل في طياته ملامح:

  • إعادة تشكيل محور دبلوماسي آسيوي–شرق أوسطي
  • الدفع نحو وساطة متعددة الأقطاب
  • تقليص احتكار الغرب لمسارات التهدئة

ومن هنا، يمكن قراءة التحركات الحالية كـ ترجمة عملية لنتائج ذلك اللقاء.

لماذا روسيا والصين؟

الرهان على موسكو وبكين ليس رمزياً، بل يستند إلى معطيات واقعية:

1. القوة العسكرية

روسيا تظل لاعباً عسكرياً مؤثراً، بينما تمتلك الصين قدرات ردع استراتيجية متصاعدة، ما يمنح الوساطة وزناً رادعاً.

2. النفوذ السياسي

الصين نجحت سابقاً في رعاية اتفاقات إقليمية، بينما تحتفظ روسيا بعلاقات متشابكة مع أطراف الصراع.

3. الاستقلال النسبي عن الغرب

وهذا عنصر حاسم، إذ يسمح لهما بلعب دور الوسيط دون الوقوع في فخ الانحياز.

وساطة القوة لا وساطة البيانات

التحول هنا ليس فقط في الأطراف، بل في طبيعة الوساطة نفسها:

  • من وساطة “ناعمة” تعتمد على البيانات
  • إلى وساطة “صلبة” تستند إلى توازنات القوة

وهذا ما يجعل إشراك روسيا والصين شرطاً شبه إلزامي لفرض أي تسوية حقيقية، خاصة إذا كان الهدف هو إرغام الولايات المتحدة وإسرائيل على الالتزام بقواعد النظام الدولي.

رسالة القاهرة وإسلام آباد

التحرك المتوازي يحمل رسالة واضحة:

العالم لم يعد أحادي القطب، والوساطة لم تعد حكراً على طرف واحد.

كما يعكس وعياً سياسياً متقدماً لدى كل من مصر وباكستان، مفاده أن إنهاء الصراعات الكبرى يتطلب تفعيل قوى التوازن، لا الاكتفاء بنداءات التهدئة.

نحو نظام وساطة جديد

ما نشهده ليس مجرد تحركات دبلوماسية منفصلة، بل ملامح نظام دولي يتشكل من جديد، حيث تتحول الوساطة إلى ساحة صراع بحد ذاتها.

وفي هذا السياق، فإن الدفع بروسيا والصين إلى قلب المشهد ليس خياراً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية لفرض توازن حقيقي، قد يكون السبيل الوحيد لتجنب انفجار إقليمي واسع.

إن التناغم بين القاهرة وإسلام آباد يعكس ذكاءً دبلوماسياً نادراً، يترجم إدراكاً عميقاً بأن السلام لا يُصنع إلا بميزان قوة متكافئ، وأن موسكو وبكين باتتا مفتاح هذا الميزان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى