هل تسير عُمان فوق حقل ألغام دبلوماسي؟

رئيس التحرير يكتب
في كل مرة تتقدّم فيها سلطنة عُمان إلى طاولة الوساطة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تعود الأسئلة ذاتها:
هل هي لحظة اختراق تاريخي… أم إعادة إنتاج لدوامة استنزاف سياسي سبق أن التهم آمال المنطقة؟
أولًا: جنيف… مسقط بوجه أوروبي
استضافة الجولة الثانية من المباحثات غير المباشرة في مقر بعثة عُمان بـجنيف ليست تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية مزدوجة:
- عُمان تريد نقل خبرتها في الوساطة من فضاء الخليج إلى مسرح أوروبي أكثر تحررًا من ضغوط الإقليم.
- وطهران وواشنطن ترغبان في مساحة “محايدة نفسيًا” بعد جولة مسقط الأولى.
لكن جوهر المسألة ليس المكان، بل الشروط.
ثانيًا: الشروط الإيرانية… سقف تفاوضي أم خط تماس؟
قيادة الوفد الإيراني برئاسة عباس عراقجي جاءت برسالتين واضحتين:
- الاعتراف بحق تخصيب اليورانيوم.
- حصر المفاوضات في الملف النووي دون الإقليمي أو الصاروخي.
هذه ليست مجرد نقاط تفاوض، بل “خط أحمر استراتيجي”.
فإذا كانت واشنطن – في أي إدارة – ترى أن الملف النووي لا ينفصل عن منظومة الردع الصاروخي والنفوذ الإقليمي، فإن طهران تحاول تفكيك السلة التفاوضية لتضمن مكسبًا محددًا: رفع العقوبات مقابل التقييد النووي فقط.
هنا تكمن عقدة الوسيط.
ثالثًا: عُمان بين رصيد الثقة وفخ التوقعات
وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي شدد على ضرورة “تجنيب المنطقة ويلات الحروب”.
العبارة تبدو أخلاقية وإنسانية، لكنها في سياق التوتر الراهن تحمل بعدًا تحذيريًا:
البديل عن التفاهم ليس الجمود… بل الانزلاق.
عُمان تملك رصيدًا تاريخيًا في إدارة القنوات الخلفية بين طهران وواشنطن، وكانت من بوابات الاتفاق النووي عام 2015. لكنها اليوم تواجه مشهدًا أكثر تعقيدًا:
- تصعيد إقليمي مفتوح على احتمالات عسكرية.
- تهديدات أمريكية سابقة في عهد دونالد ترامب.
- داخل إيراني أكثر حساسية تجاه أي تنازل يُقرأ كضعف.
رابعًا: هل الخديعة ممكنة؟
السؤال “هل عُمان على أعتاب خديعة مرة أخرى؟” لا يعني التشكيك في نوايا مسقط، بل في ديناميات القوى الكبرى.
الخديعة المحتملة قد تأتي في أحد سيناريوهين:
- سيناريو الوعد المؤجل: اتفاق مبدئي بلا ضمانات تنفيذية حقيقية، يعيد إنتاج أزمة الثقة كما حدث بعد الانسحاب الأمريكي السابق من الاتفاق.
- سيناريو توسيع الطاولة: جرّ المفاوضات تدريجيًا إلى ملفات غير نووية، بما يُفشل المسار ويُحرج الوسيط.
وفي كلا الحالين، تجد عُمان نفسها بين نارين:
حماية سمعتها كوسيط نزيه، وتجنب أن تُستخدم كجسر مؤقت يعبر فوقه المتفاوضون نحو مواجهة أكبر.
خامسًا: قراءة استراتيجية
المشهد الحالي لا يوحي بانفراجة سريعة، بل بـ”جس نبض متبادل”.
طهران تختبر مدى جدية رفع العقوبات.
واشنطن تختبر حدود المرونة الإيرانية.
وعُمان تختبر قدرتها على إبقاء الخيط مشدودًا دون أن ينقطع.
الرهان العُماني ليس فقط على اتفاق، بل على منع الانفجار.
وفي منطقة أنهكتها الحروب، قد يكون منع الأسوأ إنجازًا بحد ذاته.
لكن السؤال يبقى مفتوحًا:
هل الوساطة هذه المرة بوابة تسوية… أم محطة عابرة قبل عاصفة أكبر؟



