
محمد صابرين يكتب
مدير تحرير الأهرام اليومى
“أيُّ عالمٍ هذا
تُشنق فيه الطفولة
على جدار الحرب؟”
بهذه الصرخة الشعرية المؤلمة، يضع الشاعر والكاتب أشرف أبو عريف سؤالًا ثقيلًا في وجداننا، عبر قصيدته الأخيرة “فستان زهرة”.
إنه سؤالٌ لا يهدأ، ولا يغادر الذاكرة. فمهما اختلفت الجغرافيا وتباينت السرديات السياسية، تبقى الحروب متشابهة في جوهرها: مآسٍ إنسانية مكتملة الأركان. سواء في قلب الشرق الأوسط، حيث تتشابك التوترات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، أو في أوروبا حيث تستعر الحرب بين روسيا وأوكرانيا، فإن النتيجة واحدة.
للحرب دائمًا وجهٌ آخر…
هو وجه الضحايا.
أولئك الذين يتحولون إلى أرقام بلا ملامح، تُمحى قصصهم تحت ضجيج المدافع وصخب الخطابات السياسية. تتلاشى أصواتهم، وتُدفن أسئلتهم الإنسانية تحت ركام الصراعات.
من الجانب الروسي، تتصاعد أصوات مليئة بالحيرة والألم:
لماذا يصمت العالم؟ لماذا لا يرى ما نتعرض له؟ لماذا يُستهدف المدنيون؟ وأين القوانين الدولية التي يفترض أن تحكم الحروب؟
هذه ليست تساؤلات نظرية، بل صرخات واقعية من مدنيين وجدوا أنفسهم في قلب ما يُوصف بأنه صراع أوسع بين روسيا والغرب على الأراضي الأوكرانية.
خلال مؤتمر عبر تقنية “زووم” نظمه “البيت الروسي” في القاهرة، تحدث سكان مدينة بيلغورود الحدودية. وبين كل الأصوات، برز سؤال واحد، بسيط في كلماته، عميق في معناه:
“ماذا يحدث؟”
إنها الحرب… بكل قسوتها وتجردها من الإنسانية.
حرب تحمل في طياتها ضحايا أبرياء، وتُدار في كثير من جوانبها كـ حرب بالوكالة بين قوى دولية.
مرة أخرى، يعود السؤال: ماذا يحدث؟
ربما نحن أمام واقع عالمي جديد، لم تعد فيه الحروب استثناءً، بل أصبحت جزءًا من المشهد الدولي. واقعٌ تتلاشى فيه وجوه الضحايا، ويعتاد فيه العالم على تجاهل الألم.
وسط هذا المشهد، تبرز تساؤلات أكثر عمقًا:
هل يتجه العالم نحو تسوية سياسية أم تصعيد عسكري؟
وما مدى مصداقية أي اتفاق محتمل؟
وهل تتحول هذه الحرب إلى استنزاف طويل الأمد لروسيا؟
لا توجد إجابات سهلة.
لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يكرر باستمرار أن بلاده مستعدة لمواصلة القتال حتى تحقيق جميع أهدافها، إذا لم تُقبل شروط التسوية.
وتتمثل أبرز الشروط الروسية في:
- التنازلات الإقليمية: انسحاب القوات الأوكرانية من دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوريجيا، والاعتراف بها كأراضٍ روسية.
- الحياد الأوكراني: التخلي رسميًا عن الانضمام إلى حلف الناتو.
- القيود العسكرية: عدم استضافة قواعد أو قوات غربية.
- رفع العقوبات: إنهاء العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
- حماية الناطقين بالروسية: ضمان حقوقهم قانونيًا.
وفيما يتعلق بالمفاوضات، يتبنى بوتين مقاربة مزدوجة:
- القبول بتجميد النزاع عند خطوط التماس الحالية.
- الاستعداد للحسم العسكري إذا رُفضت الشروط.
- الانفتاح على وساطات دولية مع تشكك واضح في نوايا الغرب.
في المقابل، ترفض أوكرانيا هذه الشروط بالكامل، وتعتبرها محاولة لفرض واقع الاحتلال، وتتمسك باستعادة كامل أراضيها.
من جهته، يؤكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف التزام موسكو بالحلول الدبلوماسية، لكنه يرى أن كييف غير مستعدة لذلك حتى الآن.
ويرى محللون أن جذور الأزمة تعود إلى تجاهل المخاوف الأمنية الروسية، معتبرين أن الحرب تمثل نقطة تحول استراتيجية في النظام الدولي.
الواضح أن روسيا لا تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها خسارة، بل تراها معركة وجودية تتعلق بـ الأمن القومي والمكانة الدولية.
وتعزز موسكو موقفها بامتلاكها موارد عسكرية واقتصادية ضخمة، خاصة في مجال الطاقة، ما مكنها من امتصاص العقوبات واتباع استراتيجية استنزاف طويلة النفس.
باختصار، نحن أمام حرب لا تُحسم سريعًا، بل تُدار بمنطق الصبر والقدرة على التحمل.
ومع كل ذلك، تبقى الحقيقة الأهم:
معاناة الضحايا مستمرة…
ولا يبدو أنها ستنتهي قريبًا.
فبين رواية ترى الحرب دفاعًا عن الوجود والسيادة، وأخرى تعتبرها محاولة للهيمنة أو الاحتواء، يظل الإنسان العادي هو الخاسر الأكبر.
ويبقى السؤال معلقًا…



