
أبو السعود محمد يكتب
في زمنٍ تُختبر فيه الكلمة بين سطوة القيود ونبض الحقيقة، تخرج لجنة الوعي النقابي بصوتٍ لا يعرف المواربة، معلنةً رفضها لمشروع ميثاقٍ رأت فيه ما لا يليق بتاريخ نقابةٍ عريقة، ولا بمقام مهنةٍ كانت دومًا حارسةً للوعي وضميرًا للأمة.
فبعد أسابيع من الإصغاء العميق إلى نبض الجمعية العمومية، ومن حواراتٍ امتدت مع عشرات الزملاء، جاء البيان لا كاعتراضٍ عابر، بل كصرخة مهنية واعية، تؤكد أن حرية الصحفي ليست منحة، واستقلاله ليس بندًا قابلًا للتفاوض.
وترى اللجنة أن الميثاق، بما يحمله من طابع إلزامي وعقوبات قد تصل إلى شطب العضوية، لا يجوز أن يُصاغ بروحٍ تُقارب الوصاية، أو تفتح الباب لمن يتربصون بحرية الصحافة، فيمسّون حق الجمهور الأصيل في المعرفة وتداول المعلومات.
أولًا: نصٌ بلا روح… وصياغة بلا أصحابها
جاء المشروع، في كثير من مواده، كظلٍ باهتٍ لنصوصٍ أخرى، مقتبسًا بلا روح، مثقلًا بأخطاء لغوية وتكرارٍ مُرهق، وتعبيراتٍ فضفاضة تُربك المعنى بدل أن تُنيره.
والأخطر، أنه أدرج “الإعلاميين” ضمن مخاطبيه، رغم أنهم خارج نطاقه، في خللٍ يكشف غياب التدقيق والمشاركة المهنية الحقيقية.
ولعل الفارق يبدو صارخًا حين يُقارن هذا المشروع بميثاق عام 1998، الذي صاغه كبار رموز المهنة، أمثال كامل زهيري وصلاح حافظ وجلال عارف، وبمشاركة قاماتٍ مثل محمد حسنين هيكل، حيث وُلد النص آنذاك من رحم التجربة، لا من هوامش الاقتباس.
ثانيًا: من مبادئ تُهدي… إلى محظورات تُقيّد
لم يعد المشروع إعلانًا لمبادئ تُنير الطريق، بل تحوّل إلى قائمةٍ تُملِي على الصحفي ما يقول وما لا يقول، وكأن الكلمة أصبحت متهمة حتى تثبت براءتها.
قيودٌ فضفاضة على الخصوصية والاستقرار والتمييز، وتعاملٌ مُبالغ فيه مع الذكاء الاصطناعي، كأنه كيان مستقل يستحق بابًا كاملًا، لا مجرد أداة في يد الصحفي.
وهنا، يُسلب الصحفي سلطته التقديرية، وتُختزل المهنة في نصوصٍ جامدة، لا تعترف بمرونة الواقع ولا بتعقيداته.
ثالثًا: مفاهيم دخيلة… تُطرق باب المهنة
يثير إدراج مفهوم “النوع الاجتماعي” (الجندر) — بهذا الإلحاح والتكرار — تساؤلاتٍ عميقة حول غاية المشروع، وكأنه يسعى إلى تمرير مفاهيم إشكالية عبر بوابة الصحافة.
في مجتمعٍ له خصوصيته، وفي مهنةٍ لها تقاليدها، يصبح الأولى هو التأكيد على مبدأٍ واضحٍ وبسيط: المساواة بين الجنسين، دون الانزلاق إلى مصطلحاتٍ ملتبسة، قد تخلق جدلًا أكثر مما تُحقق وضوحًا.
الخاتمة:
وفي ختام موقفها، لا تكتفي اللجنة بالرفض، بل تفتح باب التصحيح، داعيةً إلى سحب المشروع وإعادة صياغته من جديد، عبر لجنة موسعة تمثل ضمير المهنة، وتُعيد للميثاق روحه:
وثيقة تُلهم… لا تُقيد، وتُرشد… لا تُرهب، وتُحصّن الصحفي… لا تُحاصره.
فالميثاق، إن لم يكن حارسًا للحرية، تحوّل إلى قيدٍ على المعنى…
وما خُلقت الصحافة يومًا لتُقيّد، بل لتُحرّر.



