إقتصادسلايدر

فيديو.. محافظ القاهرة د. إبراهيم صابر يُشعل ذاكرة النار ببعث الحرف التراثية… والقزازين أولى محطات الإحياء

... وأين التعليم الصناعي والفنى الجامعى من إنقاذ التراث؟!

Listen to this article

أشرف أبو عريف

في قلب القاهرة، حيث تتعانق الأزقة مع التاريخ، جاءت زيارة الدكتور إبراهيم صابر كأنها تحية وفاءٍ لحرفةٍ تقاوم الغياب، ضمن مبادرة “الحفاظ على الحرف التراثية بالقاهرة”. هناك، داخل ورشةٍ تختبئ بين صمت الجدران ووهج الأفران، يقف حسن هدهد، المعروف بـ “شيخ القزازين”، كآخر الحالمين بحراسة سرّ النار.

لم تكن الزيارة بروتوكولًا عابرًا، بل لحظة إنصاتٍ لنبض مهنةٍ توشك أن تنطفئ. فقد أكد المحافظ دراسة إنشاء مدرسة متخصصة لصناعة الزجاج، تجمع بين العلم والتجربة، حتى لا تضيع الحرفة بين زمنين، استجابةً لنداءٍ أطلقه هدهد من قلب المعاناة.

خمسةٌ وخمسون عامًا، وهدهد ينفخ في الزجاج كما لو كان يمنحه روحًا من صدره. بدأ طفلًا في ورشة العائلة، حيث تنتقل الأسرار لا بالكلمات بل بالعين واليد، حتى صار أحد أبرز خبراء ترميم الزخارف الزجاجية في المواقع الأثرية، وحارسًا لذاكرةٍ شفافةٍ لا تُرى إلا بالنار.

ينتمي إلى عائلةٍ عُرفت باسم “القزازين”، حيث تُورَّث الحرفة كما تُورَّث الملامح، من الجد إلى الأب، ثم إليه، ليصبح أحد أعمدة هذا الفن في مصر. ولم يكن مجرد صانع، بل كان مقاتلًا أيضًا؛ مارس الملاكمة في شبابه، وكأن القدر أراد له أن يتقن القتال في الحلبة… والصبر أمام الأفران.

جذبت حكايته أنظار الفن، فاستلهمت السينما جزءًا من ملامحه في فيلم كابوريا، الذي جسد بطولته أحمد زكي، بعد جلساتٍ جمعت الفنان بالحرفي، حيث امتزج الواقع بالخيال، وصارت النار حكاية تُروى.

ولم يبقَ صدى هدهد محليًا، بل عبر الحدود، حيث شارك في ورشٍ دولية وتلقى تكريمات من مؤسسات ثقافية أوروبية، ليصبح سفيرًا صامتًا لفنٍ يتحدث بلغة الضوء والشفافية.

يمثل حسن هدهد صورة الحرفي الذي يحب مهنته كما يُحب وطنه، يقاتل من أجل بقائها، ويحلم بمدرسةٍ تُعيد الحياة لهذا الفن، وتمنحه امتدادًا في وجوهٍ جديدة، حتى لا تُطفأ شعلةٌ ظلت متقدة لقرون.

وصناعة الزجاج المنفوخ ليست مجرد حرفة، بل قصيدة من نارٍ وهواء، تعود جذورها إلى الحضارات القديمة، وقد وجدت آثارها في تل العمارنة، حيث تشهد الرمال على أولى محاولات الإنسان لترويض الضوء.

إنها حرفة القزازين، حيث يقف الحرفي أمام أفرانٍ تتجاوز حرارتها 1500 درجة مئوية، يعمل لساعاتٍ طويلة، كأنه يراقص اللهب لا يخشاه. تبدأ الرحلة بجمع الزجاج المكسور، ثم صهره، فمدّه ونفخه عبر أنبوبٍ معدني، حتى يتشكل كائنٌ زجاجيٌّ جديد، تُلون روحه بأكاسيد المعادن، ويُبرد بعناية كي لا ينكسر حلمه.

وسرّ الصنعة، كما يقولون، ليس في الأدوات، بل في اللحظة الدقيقة بين الحرارة والحركة، حيث يولد الشكل من توازنٍ هشّ بين العلم والمهارة.

من الفصول إلى الأفران… حين يصبح التعليم الصناعي بوابة لإنقاذ التراث

وفي ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى رؤية تعليمية جديدة تعيد وصل ما انقطع بين المدرسة الجامعة ( الفنون الجميلة والتطبيقية..إلخ) وسوق العمل. فلماذا لا يتحول مواقع التعليم الصناعي إلى امتدادٍ حيّ لورش الحرفيين، حيث لا يكتفي الطالب بالتلقي، بل ينخرط في التجربة، ويُمسك بالأدوات، ويختبر النار بيديه؟

إن دمج التعليم النظري بالتدريب العملي داخل ورش قائمة، وعقد شراكات مع جهات متخصصة في صناعة الزجاج وغيرها من الحرف، من شأنه أن يخلق مسارًا مهنيًا واضحًا للطلاب، يبدأ بالتعلّم ولا ينتهي عند الشهادة، بل يمتد إلى فرص عمل حقيقية. وهكذا، يصبح المكان الذي يتدرب فيه الطالب اليوم، هو ذاته الذي يحتضنه غدًا كحرفي محترف.

بهذا النهج، نكون أمام تطبيق فعلي لما يُعرف بـالتعليم الإبداعي، الذي يقوم على ربط احتياجات المجتمع بفلسفة التعليم، وتحويل المدارس إلى بيئات إنتاج حقيقية، لا مجرد قاعات دراسية. فالحرف التراثية لن تنجو بالحنين وحده، بل تحتاج إلى أيدٍ جديدة تتعلمها، وتؤمن بها، وتعيد تقديمها بروح العصر.

اليوم، لم يعد الزجاج المنفوخ مجرد منتج، بل صار تراثًا غير ماديٍّ يحمل ذاكرة الأيدي التي صنعته. يمتاز بشفافيته، وقدرته على التشكل الحر، وإنتاج قطعٍ لا تشبه بعضها، كأن كل قطعة تحمل بصمة روحٍ مختلفة، ويمكن توظيفه في الأدوات المنزلية، ووحدات الإضاءة، والتحف الفنية، والزخارف المعمارية.

لكن هذا الفن، رغم جماله، يواجه رياحًا قاسية: ارتفاع تكلفة الطاقة، غلاء المواد الخام، تراجع الإقبال، وعزوف الأجيال الجديدة عن تعلمه. ومع ذلك، لا يزال هناك من يقف أمام النار، مثل حسن هدهد، ليقول:
إن الحرفة التي وُلدت من اللهب… لا تموت بسهولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى