رئيس التحريرسلايدر

الحقوق المجمّدة: حين تتحول العدالة إلى أداة تفاوض

Listen to this article

أشرف أبو عريف يكتب

لم تعد القضايا المرتبطة بالملف النووي الإيراني مجرد نزاع تقني حول نسب التخصيب أو آليات التفتيش، بل تحوّلت إلى مرآة عاكسة لطبيعة النظام الدولي ذاته: كيف تُدار الحقوق؟ ومن يملك سلطة تقييدها أو الإفراج عنها؟

في صلب المشهد، تبدو المفارقة صارخة: أموال إيرانية مجمّدة، تعود ملكيتها إلى إيران، يجري التفاوض على الإفراج عنها مقابل تنازلات تتعلق بمخزون اليورانيوم المخصب. من الناحية القانونية البحتة، لا يمكن اعتبار هذه الأموال “هبة” من الولايات المتحدة أو غيرها، بل هي حق سيادي مجمّد بفعل منظومة عقوبات. لكن ما يجري عمليًا هو إعادة تسعير هذا الحق ضمن صفقة سياسية معقّدة.

من الحق إلى ورقة تفاوض

التحول الأخطر هنا ليس في تفاصيل الصفقة، بل في المنطق الذي يحكمها.
حين يصبح استرداد الأموال مشروطًا بتنازلات استراتيجية، فإننا نغادر إطار “الحق القانوني” إلى فضاء “المقايضة السياسية”. وهنا، لا يعود السؤال: هل هذا حق؟ بل: ما ثمن استعادته؟

هذا التحول يعكس واقعًا دوليًا يتجاوز النصوص والاتفاقيات، ليؤكد أن الحقوق في النظام العالمي ليست مطلقة، بل قابلة للتجميد والتسييل وفق ميزان المصالح.

الغطرسة كآلية إدارة

قد يُقال إن هذه مجرد “موازين قوة” تحكم العلاقات الدولية، وهو توصيف صحيح جزئيًا. لكن الأدق أن هذه الموازين، في كثير من الحالات، تنزلق من كونها أداة تنظيم إلى ممارسة أقرب إلى الغطرسة السياسية.

فحين تُستخدم أدوات مثل العقوبات لتجميد أصول دولة، ثم يُعاد طرحها على طاولة التفاوض كـ”حافز” مشروط، فإننا أمام نموذج لا يكتفي بإدارة الصراع، بل يعيد تشكيل مفهوم العدالة ذاته.

سابقة تتجاوز إيران

القضية لا تخص إيران وحدها.
ما يحدث اليوم قد يصبح سابقة قابلة للتكرار مع أي دولة تدخل في صدام مع القوى الكبرى. فالنموذج المطروح يقول ببساطة:

الحقوق يمكن تجميدها، ثم إعادة منحها بشروط.

وهذا يفتح الباب أمام إعادة تعريف “السيادة” نفسها، لتصبح مفهومًا مرنًا، يخضع لإرادة النظام الدولي أكثر مما يستند إلى القانون الدولي.

بين القانون والواقع

لا يمكن إنكار أن المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني تمثل هاجسًا حقيقيًا لدى الغرب، خاصة فيما يتعلق بمنع الانتشار النووي. لكن الإشكالية لا تكمن في الهدف، بل في الأداة.

فعندما يتم تحقيق الأهداف الأمنية عبر آليات تضغط على الحقوق الاقتصادية، فإننا نكون أمام تداخل إشكالي بين الأمني والقانوني، حيث يُعاد ترتيب الأولويات على حساب المبادئ.

وختاماً: أي نظام دولي نريد؟

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بصفقة مالية أو حتى ببرنامج نووي، بل بسؤال أعمق:

هل يعيش العالم في نظام تحكمه القواعد، أم في نظام تُعاد فيه صياغة القواعد وفقًا لموازين القوة التي تنزلق إلى الغطرسة؟

الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مصير إيران، بل ترسم ملامح النظام الدولي القادم—نظام قد تتحول فيه الحقوق من ثوابت قانونية إلى أوراق تفاوضية تُستعاد بثمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى