
أسماء الحسينى تكتب
مدير تحرير الأهرام
في زمنٍ تتكاثرُ فيه الشروخ، وتتعالى فيه نبراتُ التباعد، تلوحُ الحاجةُ مُلحّةً إلى خطابٍ يُرمّمُ ما تكسّر، لا يُعمّقُ ما انكسر.
ومن هذا الأفق، تبرزُ حملة «تكامل… عرب وكُرد… مصيرٌ مشترك» لا بوصفها مجرّدَ نشاطٍ إعلامي، بل كحكايةِ وعيٍ اختار أن يُنصتَ لما يجمع، بدل أن يُصغي لما يُفرّق.
خلال أشهرٍ قليلة، استطاعت الحملة أن تُشيّد لنفسها حضورًا لافتًا في فضاءات التواصل، وأن تحجزَ موقعًا متقدّمًا في قلب النقاش العربي–الكردي.
ولم يكن هذا الحضورُ صدفةً عابرة، بل ثمرةُ عملٍ مُحكم، جمع بين وضوح الرسالة، وبساطة التعبير، وعمق الفكرة، حيث قدّمت محتوى متنوّعًا—نصوصًا، وفيديوهات، وإنفوغرافيك—يُخاطبُ الوجدان دون أن يتنازل عن رصانته المعرفية.
ما يُميّز «تكامل» حقًا، أنها اختارت أن تسلك دربًا أقل صخبًا، وأكثر أثرًا.
ابتعدت عن سجالات السياسة وضجيجها، ولم تنجرّ إلى خطاب الاتهام والدفاع، بل اتّجهت نحو فضاءٍ أكثر رحابة: الثقافة.
هناك، في عمق التاريخ المشترك، وبين ظلال العادات والتقاليد، وفي نبض الفنون والرموز، أعادت الحملة التذكير بحقيقةٍ كثيرًا ما تُهمَل:
أن ما يجمع العرب والكُرد أوسعُ بكثيرٍ مما يُفرّقهم.
هذا الانتقال من السياسيّ الصِّدامي إلى الثقافيّ الجامع لم يكن خيارًا عابرًا، بل رؤيةً استراتيجيةً واعية، نفّذها فريقٌ يُجيد قراءة النفس قبل النص.
فالتجارب تُثبت أن الخطاب السياسي، مهما توازن، يظلّ عرضةً للشكّ والتأويل، أما الخطاب الثقافي، فيتسلّلُ بهدوءٍ إلى الوعي، ويُعيد تشكيله دون مقاومةٍ تُذكر.
وعلى مستوى الأدوات، قدّمت «تكامل» درسًا بليغًا في الإعلام الذكيّ منخفض الكلفة عالي التأثير.
لم تعتمد على إمكانياتٍ ضخمة، ولا على منصّاتٍ تقليدية ثقيلة، بل راهنت على الفكرة، وعلى حسن توظيف الوسائل المتاحة.
وهكذا، أثبتت أن الإبداع حين يقترن بالإيمان، يصبحُ قوةً تُغيّر دون ضجيج.
ولم تكتفِ الحملة باستدعاء الماضي، بل وجّهت بوصلة خطابها نحو المستقبل، واضعةً الشباب في قلب رسالتها.
فهذه الفئة ليست مجرّد جمهورٍ متلقٍ، بل هي صانعةُ التحوّلات، وحاملةُ الغد.
والرهان عليها هو، في جوهره، استثمارٌ في وعيٍ جديدٍ أكثر انفتاحًا، وأقلّ قابليةً للانجرار وراء خطابات الكراهية.
بهذا المعنى، لم تكن «تكامل» مجرّد دعوةٍ عاطفيةٍ للتقارب، بل مشروعًا ناعمًا لإعادة بناء الثقة.
هي لم تُقدّم حلولًا سياسية جاهزة، لكنها مهّدت الأرضية النفسية والاجتماعية لأي حلّ ممكن،
وفي منطقةٍ تُثقلها ندوبُ الشكّ، يُعدّ ترميمُ الثقة إنجازًا بحدّ ذاته.
الأهمّ، أن هذه التجربة تحمل بين طيّاتها دروسًا قابلةً للتعميم، فهي تُقدّم نموذجًا يمكن أن تستلهمه حكومات، وأحزاب، ومؤسسات إعلامية، ومنظمات مدنية، بل وحتى صُنّاع القرار.
فالفكرة التي قامت عليها—الاستثمار في المشترك الإنساني—ليست حكرًا على العلاقة العربية–الكردية، بل تصلح لأن تكون مفتاحًا لفهمٍ أعمق لكثيرٍ من صراعات المنطقة.
في المحصّلة، أثبتت «تكامل» أن الإعلام، حين يتحرّر من أسر الاستقطاب، يتحوّل إلى قوة بناءٍ حقيقية،
وأن الكلمة الهادئة، حين تُصاغ بوعي، قد تكون أبلغ أثرًا من أكثر الخطابات صخبًا.
ولعلّ أجمل ما في هذه التجربة، أنها لم تكن مجرّد منصةٍ للنقاش، بل كانت—كأحد مشاريع شبكة الاستشراف الدولية—
حقلًا لزراعة المحبة، ومساحةً لنسج التعايش، وجسرًا يعبر فوق فجوات الاختلاف نحو أفقٍ أرحب من الأخوّة والتعاون.
وهنا يظلّ السؤال معلقًا في فضاء الوعي:
كم من صراعاتنا كان يمكن أن تهدأ، لو أننا أنصتنا لما يجمعنا… بدل أن نُمعن في تضخيم ما يُفرّقنا؟



