عَاشُورَاءُ… مِنْ شَاطِئِ مُوسَى إِلَى دَمْعَةِ الحُسَيْنِ وَصَوْتِ الوَحْدَةِ!

شعر: أشرف أبو عريف
عَاشُورَاءُ… مِنْ شَاطِئِ مُوسَى إِلَى دَمْعَةِ الحُسَيْنِ وَصَوْتِ الوَحْدَةِ!
يَا عَاشُورَاءُ، يَا فَجْرًا تَوَضَّأَ بِالنُّورِ فِي سَاحَاتِ الزَّمَانِ،
وَيَا ذِكْرَى تَعَانَقَ فِيهَا صَبْرُ الأَنْبِيَاءِ مَعَ دَمْعِ الإِنْسَانِ،
جِئْتَ تَحْمِلُ فِي أَكُفِّكَ رَحْمَةَ الرَّبِّ لِلصَّائِمِينَ،
وَتَحْمِلُ فِي قَلْبِكَ أَصْدَاءَ القُرُونِ وَأَسْرَارَ المُؤْمِنِينَ.
وَيَا عَاشُورَاءُ، يَا يَوْمًا تَعَانَقَ فِيهِ البَحْرُ مَعَ القَدَرِ،
حِينَ شَقَّ اللهُ لِمُوسَى دَرْبًا مِنَ اليَقِينِ بَيْنَ الأَمْوَاجِ،
فَانْفَلَقَتِ اللُّجَجُ كَأَبْوَابٍ مِنْ نُورٍ،
وَانْطَفَأَ جَبَرُ الطُّغْيَانِ فِي قَاعِ الغُرُورِ.
هُنَاكَ مَرَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ،
وَخَلْفَهُ قَوْمٌ أَرْهَقَتْهُمُ السَّلَاسِلُ،
فَجَاءَهُمُ الفَرَجُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ،
وَكَانَ البَحْرُ جُنْدًا مِنْ جُنُودِ اللهِ،
يَفْتَحُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ طَرِيقَ النَّجَاةِ،
وَيَطْوِي لِلْمُسْتَكْبِرِينَ أَكْفَانَ الهَلَاكِ.
وَلَمَّا قَدِمَ المُصْطَفَى ﷺ المَدِينَةَ،
رَأَى قَوْمًا يَصُومُونَ هَذَا اليَوْمَ،
فَسَأَلَ عَنْ سِرِّ الصِّيَامِ وَمَعْنَى الذِّكْرَى،
فَقِيلَ لَهُ:
إِنَّهُ يَوْمُ نَجَّى اللهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ،
وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ.
فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:
«نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»،
فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ،
لِيَبْقَى الشُّكْرُ لِلَّهِ نَهْرًا يَجْرِي فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.
ثُمَّ قَالَ:
«لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»،
فَكَأَنَّهُ يُعَلِّمُ الأُمَّةَ
أَنَّ الطَّاعَةَ حَيَاةٌ،
وَأَنَّ العِبَادَةَ فَهْمٌ وَحِكْمَةٌ وَاتِّبَاعٌ.
فَصَوْمُكَ يَا عَاشُورَاءُ،
غَيْثٌ يَهْطِلُ عَلَى صَحَارَى الذُّنُوبِ،
وَنُورٌ يَغْسِلُ عَنْ قُلُوبِنَا غُبَارَ الأَيَّامِ،
وَدَعْوَةٌ لِنَتَذَكَّرَ
أَنَّ النَّجَاةَ تَأْتِي دَائِمًا مَعَ الصَّبْرِ،
وَأَنَّ الفَجْرَ يُولَدُ مِنْ رَحِمِ اللَّيْلِ.
فَيَا لَلْعَجَبِ!
كَيْفَ تَحَوَّلَ يَوْمٌ بَدَأَ شُكْرًا عَلَى النَّجَاةِ،
إِلَى سَبَبٍ لِلخُصُومَةِ بَيْنَ الإِخْوَةِ؟
وَكَيْفَ صَارَتِ الذِّكْرَى الَّتِي جَمَعَتْ مُوسَى وَمُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ،
مَيْدَانًا لِلتَّفَرُّقِ بَيْنَ أَتْبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟
***
بَعْدَ أَنْ هَدَأَ هَدِيرُ البَحْرِ،
وَانْطَوَتْ صَفَحَاتُ النَّجَاةِ عَلَى ذِكْرَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ،
بَقِيَتْ فِي كِتَابِ الأَيَّامِ صَفَحَاتٌ أُخْرَى،
كَتَبَهَا التَّارِيخُ بِالحِبْرِ تَارَةً،
وَبِالدَّمْعِ تَارَةً،
وَبِالدَّمِ أَحْيَانًا.
هُنَاكَ،
عَلَى أَرْضِ كَرْبَلَاءَ،
وَقَفَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا،
كَالنَّخْلَةِ الشَّامِخَةِ فِي وَجْهِ العَاصِفَةِ،
لَا تَزِيدُهَا الرِّيَاحُ إِلَّا ثَبَاتًا،
وَلَا يَزِيدُهَا الخَطَرُ إِلَّا إِبَاءً.
فَلَمْ يَكُنْ طَالِبَ مُلْكٍ،
وَلَا بَاحِثًا عَنْ دُنْيَا،
بَلْ حَامِلًا لِرِسَالَةِ الكَرَامَةِ،
وَشَاهِدًا عَلَى أَنَّ الحَقَّ قَدْ يَبْقَى وَحِيدًا،
لَكِنَّهُ لَا يَمُوتُ.
فَسَلَامٌ عَلَى الحُسَيْنِ يَوْمَ وُلِدَ،
وَيَوْمَ جَاهَدَ،
وَيَوْمَ ارْتَقَى إِلَى رَبِّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا،
وَسَلَامٌ عَلَى آلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ،
مَصَابِيحِ الهُدَى وَمَنَابِعِ الوَفَاءِ.
وَلَكِنَّ الحُسَيْنَ لَمْ يَكُنْ وَحْدَهُ جُرْحًا فِي جَسَدِ الأُمَّةِ،
وَلَمْ تَكُنْ كَرْبَلَاءُ وَحْدَهَا دَمْعَةَ التَّارِيخِ.
فَقَبْلَهَا،
سَقَطَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
وَهُوَ يُقِيمُ مِيزَانَ العَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ،
كَأَنَّهُ قِنْدِيلٌ أَرَادَ أَنْ يُضِيءَ الدُّنْيَا،
فَتَلَقَّفَتْهُ يَدُ الغَدْرِ.
وَقَبْلَهُ،
أُرِيقَ دَمُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
وَهُوَ يَتْلُو كَلَامَ اللهِ،
فَاخْتَلَطَتْ حُرُوفُ المُصْحَفِ
بِدَمْعَاتِ الحُزْنِ وَآهَاتِ الزَّمَانِ.
وَبَعْدَهُمَا،
جُرِحَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
فَارِسُ الحِكْمَةِ وَبَابُ العِلْمِ،
وَهُوَ يَمْضِي إِلَى الصَّلَاةِ،
كَأَنَّهُ يُعَلِّمُ الأَجْيَالَ
أَنَّ أَعْظَمَ الرِّجَالِ قَدْ يَرْحَلُونَ،
لَكِنَّ المَبَادِئَ تَبْقَى.
فَأَيُّ دَمٍ مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ لَيْسَ مِنَّا؟
وَأَيُّ جُرْحٍ مِنْ هَذِهِ الجُرُوحِ لَا يَسْكُنُ ذَاكِرَتَنَا؟
إِنَّهَا جُرُوحُ أُمَّةٍ وَاحِدَةٍ،
وَدُمُوعُ بَيْتٍ وَاحِدٍ،
وَأَحْزَانُ قَلْبٍ وَاحِدٍ.
فَلَا تَجْعَلُوا مِنَ الذِّكْرَى سُورًا يَفْصِلُ بَيْنَ الإِخْوَةِ،
وَلَا مِنَ الدَّمْعَةِ خَنْدَقًا بَيْنَ المُحِبِّينَ،
فَالشُّهَدَاءُ جَمِيعًا يَلْتَقُونَ فِي سَمَاءِ الوَفَاءِ،
وَالأَرْوَاحُ الطَّاهِرَةُ أَوْسَعُ مِنْ حُدُودِ الخِلَافِ.
وَمَا أَحْوَجَنَا اليَوْمَ
إِلَى أَنْ نَقْرَأَ التَّارِيخَ بِعُيُونِ الحِكْمَةِ،
لَا بِعُيُونِ الغَضَبِ،
وَأَنْ نَحْمِلَ مِنْ كَرْبَلَاءَ دَرْسَ الثَّبَاتِ،
لَا بَذْرَةَ الفُرْقَةِ،
وَمِنْ سِيرَةِ الشُّهَدَاءِ دَعْوَةَ الوِفَاقِ،
لَا وَقُودَ النِّزَاعِ.
***
وَإِنْ ذَكَرْتُمْ آلَ بَيْتِ المُصْطَفَى ﷺ،
فَاذْكُرُوا السَّيِّدَ سَلْمَانَ الفَارِسِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ،
حَكِيمَ الفُرْسِ وَفَارِسَ البَصِيرَةِ،
الَّذِي غَادَرَ الدِّيَارَ،
وَعَبَرَ الصَّحَارِي وَالبِحَارَ،
وَطَوَى مَسَافَاتِ العُمْرِ،
بَاحِثًا عَنْ حَقِيقَةٍ تَمْلَأُ الرُّوحَ نُورًا.
لَمْ يَسْأَلْ عَنْ لَوْنٍ،
وَلَا عَنْ عِرْقٍ،
وَلَا عَنْ قَبِيلَةٍ،
وَلَا عَنْ لِسَانٍ،
بَلْ سَأَلَ عَنْ طَرِيقٍ يَقُودُهُ إِلَى اللهِ.
فَلَمَّا وَجَدَ مُحَمَّدًا ﷺ،
وَجَدَ الحَقَّ الَّذِي طَالَ انْتِظَارُهُ،
وَوَجَدَ القَلْبَ الَّذِي يَسَعُ البَشَرِيَّةَ كُلَّهَا،
فَنَطَقَتِ النُّبُوَّةُ بِكَلِمَتِهَا الخَالِدَةِ:
«سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ».
فَيَا لَهَا مِنْ كَلِمَةٍ،
هَدَمَتْ جُدْرَانَ العَصَبِيَّةِ،
وَفَتَحَتْ أَبْوَابَ الأُخُوَّةِ،
وَجَعَلَتِ التَّقْوَى نَسَبًا،
وَالصِّدْقَ قَرَابَةً،
وَالإِخْلَاصَ وَطَنًا لِلأَرْوَاحِ.
فَمَا كَانَ فِي مَدِينَةِ المُصْطَفَى ﷺ،
يَوْمَ أَشْرَقَتْ شَمْسُ الرِّسَالَةِ،
سُنِّيٌّ يُنَادِي عَلَى شِيعِيٍّ،
وَلَا شِيعِيٌّ يُنَادِي عَلَى سُنِّيٍّ،
وَلَا مُتَخَاصِمُونَ يَقْتَاتُونَ مِنْ جُرُوحِ التَّارِيخِ.
بَلْ كَانُوا جَمِيعًا
يَقِفُونَ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ،
وَيَرْفَعُونَ رَايَةً وَاحِدَةً،
وَيَسْتَظِلُّونَ بِظِلِّ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ:
«لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ».
فَكَمْ أَطَالَتِ الفُرْقَةُ لَيْلَنَا،
وَكَمْ بَدَّدَتِ الخِلَافَاتُ مِنْ قُوَّتِنَا،
وَكَمْ تَنَازَعْنَا عَلَى الأَسْمَاءِ،
حَتَّى نَسِينَا جَوْهَرَ الرِّسَالَةِ.
نَتَجَادَلُ فِي التَّقْوِيمِ،
وَنَتَّهِمُ النِّيَّاتِ،
وَنُثِيرُ غُبَارَ المَاضِي،
بَيْنَمَا يَنْتَظِرُ مِنَّا المُسْتَقْبَلُ
أَنْ نَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ خِلَافَاتِنَا.
فَيَا أَبْنَاءَ مُحَمَّدٍ ﷺ،
أَفَلَا تَسْتَفِيقُونَ لِحَقِّ نَبِيِّكُمْ؟
أَفَلَا تَسْمَعُونَ نِدَاءَ خَاتَمِ المُرْسَلِينَ،
رَسُولِ العَالَمِينَ،
وَهُوَ يَدْعُوكُمْ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالاِعْتِصَامِ؟
أَفَلَا تَجْعَلُونَ مِنْ عَاشُورَاءَ
جِسْرًا بَيْنَ القُلُوبِ لَا خَنْدَقًا بَيْنَ الصُّفُوفِ؟
وَمِنْ ذِكْرَى الحُسَيْنِ
مَشْعَلًا لِلْكَرَامَةِ لَا وَقُودًا لِلخُصُومَةِ؟
وَمِنْ سِيرَةِ عُمَرَ
مِيزَانًا لِلْعَدْلِ؟
وَمِنْ حَيَاءِ عُثْمَانَ
نُورًا لِلضَّمَائِرِ؟
وَمِنْ حِكْمَةِ عَلِيٍّ
مِفْتَاحًا لِلْعُقُولِ؟
وَمِنْ بَصِيرَةِ سَلْمَانَ
سِرَاجًا لِلسَّائِرِينَ؟
تَعَالَوْا،
فَإِنَّ الأُمَّةَ الَّتِي أَنْجَتْ مُوسَى مِنَ الغَرَقِ بِإِذْنِ اللهِ،
وَأَنْجَبَتْ مُحَمَّدًا ﷺ هِدَايَةً لِلْعَالَمِينَ،
وَأَنْجَبَتْ الحُسَيْنَ رَمْزًا لِلثَّبَاتِ،
وَعُمَرَ رَمْزًا لِلْعَدْلِ،
وَعُثْمَانَ رَمْزًا لِلْحَيَاءِ،
وَعَلِيًّا رَمْزًا لِلْحِكْمَةِ،
وَسَلْمَانَ رَمْزًا لِلْبَصِيرَةِ،
لَا يَلِيقُ بِهَا أَنْ تَبْقَى أَسِيرَةَ الفُرْقَةِ.
تَعَالَوْا نُعِيدُ لِلرِّسَالَةِ صَوْتَهَا،
وَلِلأُخُوَّةِ مَعْنَاهَا،
وَلِلإِيمَانِ جَمَالَهُ،
وَلِلإِنْسَانِ كَرَامَتَهُ.
اللَّهُمَّ وَحِّدْ قُلُوبَ المُسْلِمِينَ عَلَى الحَقِّ وَالرَّحْمَةِ،
وَاجْعَلْ اخْتِلَافَهُمْ تَنَوُّعًا لَا تَنَازُعًا،
وَأَلِّفْ بَيْنَ صُفُوفِهِمْ،
وَأَطْفِئْ نِيرَانَ الفِتَنِ فِي صُدُورِهِمْ،
وَاجْعَلْ مِنْ عَاشُورَاءَ ذِكْرَى لِلنَّجَاةِ،
وَمِنْ كَرْبَلَاءَ دَرْسًا لِلثَّبَاتِ،
وَمِنْ سَلْمَانَ آيَةً فِي الأُخُوَّةِ،
وَمِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ مَنْهَجًا يَجْمَعُ وَلَا يُفَرِّقُ.
آمِينَ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.



