رئيس التحريرسلايدرسياسة

النيل شاهدًا والذرة وعدًا… فصل جديد في العلاقات المصرية الروسية

Listen to this article

أشرف أبو عريف

في فسيفساء العلاقات الدولية، هناك شراكات لا تُكتب في المعاهدات فقط، بل تُنقش في صفحات التاريخ. ومثل هذا هو حال مصر وروسيا — دولتان صمد رابطُهما أمام القرون والأزمات والانتصارات. من مياه النيل المتدفقة إلى سهوب أوراسيا المتجمّدة، تظل الحكاية قصة صمود ونضال مشترك وصداقة راسخة. وما يلي هو حوار يكشف عن هذا الإرث الغني ووعده الحي للمستقبل.

ففي حوار حصري مع سفير روسيا لدى مصر، غيورغي ي. بوريسينكو، تجلت ملامح المشهد السياسي العالمي المتحوّل بوضوح، حيث استعاد السفير رحلةً تمتد من مياه النيل إلى أزيز المفاعلات النووية قيد الإنشاء على الساحل الشمالي لمصر. جاءت كلماته محمَّلة بـ الدبلوماسية والشعر، تنسج خيوط الماضي والمستقبل بين دولتين جمعتهما التاريخ والطموح والصداقة.

مياه النيل… وطمأنة روسية

بدأ الحديث بتطمينات حول قضية أثارت كثيراً من الجدل في المنطقة، وهي السد ومياه النيل. قال السفير بنبرة هادئة تكاد تكون أبوية:
“من الممكن إيجاد حلول تراعي مصالح الجميع — إثيوبيا والسودان ومصر — فلا ينبغي أن يتضرر أحد.”

من النهر إلى الذرّة

ومن النهر انتقل الحوار إلى الذرّة. تحدّث السفير بدقة عن محطة الضبعة النووية، المشروع الذي غُرست أسسه عميقاً في الأرض المصرية. وأوضح أن أعمال البناء تسير وفق الجدول الذي اعتمده الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2020. وأضاف:
“سيبدأ تشغيل المفاعل الأول عام 2028، وبحلول ربيع 2030 ستكون المفاعلات الأربعة كلها قد دخلت الخدمة. عندها ستقف المحطة كرمز جديد لـ الصداقة المصرية الروسية — أكبر في قدرته من السد العالي.”

ارتفع صوته بفخر وهو يعقد المقارنة مع السد العالي العظيم الذي غيّر مصير مصر. فإذا كان السد العالي أيقونة القرن العشرين، فإن الضبعة ستكون أيقونة القرن الحادي والعشرين.

سوريا والاستقرار المفقود

وتطرّق السفير أيضاً إلى المشهد المشتعل في الشرق الأوسط، وخاصة سوريا. وأكد بثبات:
“إن روسيا مستعدة لـ دعم سوريا، وترى أن من الضروري للغاية تحقيق شمولية تراعي جميع المكوّنات العرقية والدينية هناك.”
كلمات تعكس رؤية لـ الاستقرار القائم على الحوار لا الانقسام.

جسور إنسانية وثقافية

وأضاف: “علاقاتنا عميقة الجذور. الروس يحبون مصر، والعديد من الطلاب المصريين يدرسون في روسيا. نحن أصدقاء حقيقيون وشركاء مقرّبون. ويتسع تعاوننا ليشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والعلم والرياضة.”

ثم تحدّث عن علاقته الشخصية بمصر، التي صاغها خلال خمس سنوات من الإقامة.
“إن مصر تُسمى أم الدنيا، وهي بحق مهد الحضارة. الأطفال الروس يبدأون دراسة التاريخ من قصة مصر القديمة، لأنها كانت هنا بداية الدولة.”

كما لم يُخفِ إعجابه بـ النيل قائلاً:
“لقد شهد هذا النهر عشرات آلاف السنين من الحياة وأهم صفحات التاريخ العالمي.”

وبين رشفات الشاي وتبادل الأحاديث، تحوّل اللقاء إلى وقفة دافئة للتأمل في جوهر الدبلوماسية. وأشاد السفير بـ دور الإعلام الذي قد يكون محدود الموارد لكنه واسع الأثر:
“ما يهم ليس كثرة الإمكانات، بل الإخلاص والرؤية.”

ترامب والحرب الأوكرانية

ثم اتجه الحديث غربًا نحو دونالد ترامب. فقد رآه البعض يومًا صانع سلام محتمل، لكن ولايته أظهرت أنه كان وسيطًا للصراع أكثر من كونه مبشّرًا بالمصالحة. ووعده بإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية خلال “24 ساعة” لم يتحقق. بل اعترف ترامب لاحقًا بأن الواقع أعقد بكثير، بفعل سياسات الناتو ومسار جو بايدن.

ويُشدد السفير بوريسينكو على أن جذور الحرب أعمق بكثير، وتعود إلى ديسمبر 2021، حين طالبت موسكو بـ ضمانات بألا يتوسع الناتو شرقًا أو يدمج أوكرانيا. ويضيف أن رفض الغرب لذلك تجاوز “خطًا أحمر”. فبالنسبة لروسيا، أوكرانيا ليست مجرد دولة جارة، بل مهد تاريخها، وكييف هي مهد الدولة الروسية.

روسيا والتاريخ الأوروبي

يوسّع السفير المشهد إلى التاريخ الأوروبي الأطول: حملة السويد الفاشلة في عهد بطرس الأكبر، وانسحاب نابليون المجمّد، وهزيمة هتلر بثمن باهظ. وفي هذا السياق، يُنظر إلى تقدّم الناتو نحو حدود روسيا ليس كخلاف معاصر فقط، بل كـ فصل جديد في قرون من التوغّل الغربي.

نظام عالمي متعدد الأقطاب

وأمام هذا الواقع، تتجه روسيا نحو تعددية الأقطاب. فهياكل مثل بريكس، التي انضمت إليها مصر بفخر، تجسد لموسكو نموذجًا لـ السيادة والمساواة على عكس مجموعة السبع بقيادة الولايات المتحدة. ومن خلال بريكس، تتطلع روسيا إلى نظام عالمي متوازن لا تفرض فيه قوة واحدة القواعد.

أمريكا اللاتينية وفنزويلا

وانتقل الحوار أيضًا إلى أميركا اللاتينية. ففي فنزويلا، ترى روسيا أن الإجراءات الأميركية تمثل ضغطًا غير مشروع على دولة ذات سيادة، وتؤكد أن الحلول لا تكون بالإكراه بل بالحوار.

كلمات ختامية

وحين أوشك اللقاء على نهايته، خيّم جو من الاحترام المتبادل ووعود بـ مواصلة التعاون. أما كلمات السفير الأخيرة فقد بقيت كـ النيل عند الغروب — هادئة، عميقة، وأبدية:
“صداقتنا ليست رسمية فحسب، إنها صادقة وأبدية.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى