مِصْرُ… تَرْنِيمَةُ الْأَرْضِ الَّتِي تُصَافِحُ السَّمَاء

شعر: أشرف أبو عريف
لَيْسَتْ مِصْرُ
وَطَنًا فَقَطْ،
بَلْ قَدَرٌ
يَمْشِي
عَلَى خَرِيطَةِ التَّارِيخ.
لَيْسَتْ أَرْضًا
يَحْصُرُهَا الْمَدَى،
بَلْ قِصَّةً
كَتَبَهَا الزَّمَنُ
بِمِدَادِ الْخُلُود.
هُنَا
يَمْشِي النِّيلُ
كَشَاعِرٍ قَدِيم،
يَحْمِلُ فِي مِيَاهِهِ
هَمْسَ الْقُرُون
وَأَغَانِي الْحَضَارَات.
هُنَا
وُلِدَتِ الْحِكْمَةُ
قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الزَّمَنُ
مَعْنَى الْبِدَايَة.
يَا مِصْرُ…
إِذَا نَطَقَ اسْمُهَا
اِعْتَدَلَتِ اللُّغَةُ،
وَارْتَفَعَتِ الرُّءُوس،
وَاِنْتَبَهَ التَّارِيخ.
فِي حِضْنِكِ
مَرَّ يُوسُفُ
حَامِلًا بُشْرَى الأَمَان،
فَقَالَ كَلِمَتَهُ
الَّتِي مَا زَالَتْ
تُضِيءُ الدُّنْيَا:
اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.
فَصَارَ الأَمَانُ
جُزْءًا
مِنْ رُوحِ هٰذِهِ الْأَرْض.
وَفِي سِينَاء…
حَيْثُ يَصْعَدُ الصَّمْتُ
إِلَى السَّمَاءِ،
وَقَفَ مُوسَى
بَيْنَ الرَّمْلِ وَالنُّور.
فَارْتَجَفَ الْوَادِي
بِنِدَاءِ الْقُدْرَة:
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ…
فَسَكَتَتِ الرِّيحُ،
وَأَصْغَى الْحَجَر،
وَتَعَلَّمَ الْجَبَلُ
كَيْفَ يَخْشَع.
يَا سِينَاء…
يَا جَبَلًا
مَسَّهُ النُّورُ
فَاِرْتَعَشَتِ الصُّخُور.
يَا سِرًّا
نَقَشَهُ اللهُ
فِي صَخْرِ الطُّور.
بَيْنَ بَحْرَيْن
يَحْلُمُ الْأُفُقُ
بِاِتِّسَاعِهِمَا،
وَبَيْنَ قَارَّتَيْن
تَتَعَلَّمُ الْأَرْضُ
كَيْفَ تَكُونُ
جِسْرًا بَيْنَ الْعَوَالِم.
يَا مِصْر…
كَمْ مَرَّتْ عَلَيْكِ
جُيُوشٌ
وَإِمْبِرَاطُورِيَّات
وَعَوَاصِفُ التَّارِيخ.
لَكِنَّكِ
كُنْتِ دَائِمًا
كَالنِّيل:
تَجْرِينَ…
وَلَا تَنْحَنِينَ.
فِيكِ
سِرٌّ
لَا يَكْتُبُهُ الْمُؤَرِّخُون،
وَلَا يَفْهَمُهُ الطَّامِعُون.
سِرٌّ
يُشْبِهُ الْفَجْر
حِينَ يُولَدُ الضَّوْءُ
مِنْ رَحِمِ الظَّلَام.
لِذٰلِكَ
كُلُّ مَنْ أَحَبَّكِ
صَارَ مِنْكِ،
وَكُلُّ مَنْ طَمِعَ فِيكِ
تَعَلَّمَ مُتَأَخِّرًا:
أَنَّ مِصْرَ
لَا تُفْتَحُ بِالسُّيُوف…
بَلْ تُفْتَحُ
بِالْقُلُوب.
لِأَنَّ مِصْرَ
لَيْسَتْ أَرْضًا فَقَط،
بَلْ فِكْرَةٌ
خَالِدَةٌ
مَزَجَ اللهُ فِيهَا
التَّارِيخَ
بِالنُّور.
وَتَرَكَ لِلْعَالَم
حَقِيقَةً وَاحِدَة:
أَنَّ الْحَضَارَةَ
قَدْ يَكُونُ لَهَا قَلْب…
وَأَنَّ هٰذَا الْقَلْب
اِسْمُهُ
مِصْر.



