رأىسلايدر

كل الطرق تؤدي إلى روما: الجولة الخامسة من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة

Listen to this article

د. أحمد مصطفى يكتب

تدخل الجولة الخامسة من المحادثات النووية بين إيران والولايات المتحدة، المقرّر انطلاقها يوم الجمعة 23 مايو 2025 في العاصمة الإيطالية روما، مرحلة بالغة الحساسية في مسار الجهود الدبلوماسية الرامية إلى تفكيك عقدة الملف النووي الإيراني. هذه الجولة لا تمثل مجرد لقاء تفاوضي روتيني، بل تُعد مفترق طرق استراتيجيًا في ظل تعقيدات إقليمية ودولية متشابكة، واصطفافات أيديولوجية تتجاوز حدود التقنية النووية إلى جوهر السيادة والكرامة الوطنية.

إيران: تخصيب اليورانيوم حق سيادي

تُصر طهران على حقها غير القابل للتفاوض في تخصيب اليورانيوم، انطلاقًا من موقعها كدولة موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي (NPT)، وتؤكد أن هذا التخصيب لأغراض علمية وطبية سلمية، وهو فوق كل شيء، تعبير عن سيادتها الوطنية. وقد صرح أحد كبار المفاوضين الإيرانيين قائلاً: “برنامجنا النووي ليس ورقة ضغط، بل تجسيد لاستقلالنا والتزامنا بالتقدم.”

الولايات المتحدة: أمن إقليمي مهدد وموقف متشدد

في المقابل، ترى واشنطن أن السماح لإيران بمواصلة تخصيب اليورانيوم قد يفتح الباب أمام سباق تسلح في منطقة مضطربة بطبيعتها. وتستند في موقفها إلى سوابق سلوك إيران في الإقليم، من دعمها لفصائل مسلحة إلى خطابها العدائي تجاه حلفاء الغرب، ولا سيما إسرائيل.

النفوذ الصهيوني وتأثيره على الموقف الأمريكي

لا يمكن فصل هذا الموقف الأمريكي عن ثقل النفوذ الصهيوني داخل أروقة صناعة القرار في واشنطن. إذ يرى مراقبون أن بعض دوائر صنع القرار، خاصة تلك التي ترعرعت في ظل إدارة ترامب، لا تتعامل مع الملف الإيراني من منظور أمني فقط، بل من زاوية أيديولوجية مرتبطة بأمن إسرائيل أولاً.

إسرائيل: ضربات استباقية ومخاطر التصعيد

الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على منشآت نووية إيرانية تُمثل بعدًا جديدًا من المواجهة، يُنظر إليها تارة كمحاولة لشل قدرات طهران، وتارة أخرى كاستراتيجية نفسية لدفع إيران نحو التنازل. إلا أن إيران تُصر على أن برنامجها النووي محصن ضد مثل هذه المحاولات، محذّرة من أن أي تصعيد سيُقابل برد مدمر يستهدف ليس فقط إسرائيل، بل وربما القواعد الأمريكية في الخليج.

الجيل زد وتبدل المزاج السياسي في الغرب

في خضم هذه التوترات، يبرز تحول ديموغرافي لافت: الجيل الجديد من الشباب الغربي (جيل زد) يُبدي مواقف ناقدة بحدة للصهيونية ولسياسات إسرائيل، ووفقًا لاستطلاعات رأي حديثة، فإن نسبة كبيرة من الشباب في أمريكا وأوروبا ترى أن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين تفتقر إلى العدالة. هذا التغير قد يعيد تشكيل السياسة الخارجية الغربية في المستقبل القريب.

ازدواجية المعايير في النظام الدولي

يُثير إصرار الغرب على تجريد إيران من حقوقها النووية، في حين يحتفظ الغرب نفسه بترساناته النووية، علامات استفهام أخلاقية كبرى. ويقول أحد النشطاء: “القضية ليست في إيران، بل في نفاق النظام الدولي الذي يوزع الشرعية النووية بحسب الهوى السياسي.”

روما: لحظة مفصلية في مستقبل النظام الدولي

تُشكّل مفاوضات روما لحظة اختبار حقيقي للمجتمع الدولي: هل سيتم التعامل مع إيران من منطلق احترام السيادة والمساواة القانونية؟ أم سيستمر منطق الهيمنة والكيل بمكيالين؟

في نهاية المطاف، لا تدور المفاوضات حول أجهزة الطرد المركزي وحدها، بل حول شكل النظام الدولي القادم: هل سيكون أكثر عدلاً وتوازنًا؟ أم سيواصل مسار الأحادية والاستقطاب؟

وكما قال آينشتاين: “لا يمكن الحفاظ على السلام بالقوة، بل لا يتحقق إلا بالتفاهم”، تبقى روما هذه المرة على موعد مع اختبار نادر للضمير العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى