رئيس التحريرسلايدر

فاشية العقوبات… حين تتحوّل فنزويلا إلى مسرح استعراض ترامبي

Listen to this article

رئيس التحرير يكتب

ليست فنزويلا في خطاب دونالد ترامب سوى لوحة خلفية لسياسة تقوم على الاستعراض أكثر مما تقوم على الحلول. فكل “تحديث” في موقفه لا يحمل جديدًا بقدر ما يعيد إنتاج منطقٍ واحد: عقوبات بلا أفق، وضغوط بلا استراتيجية، وشعب يُدفع ثمنًا لصراع إرادات لا يعترف بالإنسان.

منذ إطلاق ما سُمّي بسياسة “الضغط الأقصى”، تحوّلت العقوبات إلى أداة عقاب جماعي، لا إلى وسيلة ضغط سياسية محسوبة. النتيجة لم تكن تغييرًا في السلطة، ولا فتحًا لمسار ديمقراطي، بل تعميقًا للأزمة الاقتصادية، وتوسيعًا لدائرة الفقر، وتجفيفًا لمصادر الدواء والغذاء. بقي نيكولاس مادورو في موقعه، فيما سقط المجتمع الفنزويلي بين أنقاض اقتصاد مُحاصر.

الفاشية هنا ليست شتيمة سياسية، بل توصيف لسلوكٍ يرى العالم بعين القوة وحدها: منطق “أطع أو تُعاقَب”. في هذا المنطق، لا مكان للقانون الدولي، ولا للوساطة متعددة الأطراف، ولا حتى للاعتبارات الإنسانية التي يفترض أن ترافق أي نظام عقوبات. تتحوّل السياسة الخارجية إلى مسرح خطابي يخاطب الداخل الأميركي، فيما تُدار معاناة الخارج كملف ثانوي.

التخبّط الأخير بين تشديد العقوبات ثم التلويح بتخفيفها يكشف فراغ الرؤية. لا خارطة طريق، ولا ضمانات، ولا آلية رقابة تحمي المدنيين. هكذا تُخلق اقتصاديات ظلّ، وتُغذّى شبكات التهريب، ويُترك المواطن العادي وحيدًا في مواجهة انهيار شامل، بينما تتبادل العواصم البيانات.

كان يمكن لمسارٍ مختلف أن يُسلك: دعم إنساني فعلي معزول عن التجاذبات، انخراط دبلوماسي متعدد الأطراف، وضمانات لعملية تفاوضية واقعية. لكن “الترامبية” لا تؤمن بالتدرّج ولا بالحلول المركّبة؛ تؤمن بالصدمة، وبالعقاب، وبالصورة العالية الصوت.

في المحصلة، لم تُثبت هذه السياسة سوى أمرٍ واحد: أن العقوبات حين تُدار بعقلية فاشية لا تُسقط أنظمة، بل تُنهك شعوبًا. وفنزويلا، التي تستحق فرصة للحياة والتعافي، لا تحتاج مزيدًا من استعراض القوة، بل شجاعة السياسة العاقلة التي ترى الإنسان قبل الشعارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى