
لواء محمد حسين
وكيل أول وزارة الهيئة العامة للإستعلامات
في كلِّ عام، وتحديدًا في اليوم الخامس عشر من الشهر الثامن في التقويم القمري الصيني، تتلألأ المدن الصينية بضوء القمر المكتمل، وتعبق الأحياء برائحة حلوى “كَعك القَمَر” التي تُقدَّم في مهرجان منتصف الخريف، ذاك العيد الذي يجمع بين سحر الأسطورة ودفء العائلة.
هذه الحلوى التي تبدو للوهلة الأولى مجرّد حلوى موسمية، تحمل في طياتها تاريخًا طويلًا من الرموز والمشاعر. ففي الصين القديمة، كانت “كَعك القَمَر” تُقدَّم كقربانٍ مقدّس لإله القمر، تجسيدًا للامتنان والدعاء بالخير والخصب. غير أن معناها تبدّل مع الزمن، وابتداءً من عهد أسرة «مينغ» (من القرن الرابع عشر حتى السابع عشر الميلادي)، أصبحت رمزًا للمحبّة ولمّ الشمل الأسري، حتى سُمّيت «كعك لمّ الشمل».
تأخذ هذه الحلوى شكل القمر الدائري المكتمل، في رمزٍ إلى الكمال والوحدة والتناغم بين أفراد الأسرة، وكأنها تجسّد في طعمها معنى العائلة الممتدة في دفء ضوء القمر. تُقطَّع الكعكة إلى قطعٍ صغيرة، يتقاسمها الجميع على مائدة واحدة، تُحتسى معها أكواب الشاي الأخضر، في طقسٍ يربط بين الماضي والحاضر، بين الأرض والسماء، بين الإنسان والطبيعة.
أما الحشوة، فهي قصة أخرى من الجمال الرمزي. إذ يُضاف صفار بيضةٍ كاملة داخل كل كعكة، في إشارة إلى القمر المضيء وسط العتمة. وتتنوع الحشوات ما بين معجون الفاصوليا الحمراء، وبذور اللوتس، والجوز، والتمر، بينما أخذت في العصر الحديث أشكالًا جديدة بطعم الشوكولاتة أو الآيس كريم، لتجمع بين الأصالة والابتكار في آنٍ واحد.
ليست “كعك القمر” مجرد حلوى تُؤكل، بل ذاكرة وطنٍ بأكمله، ومرآةٌ تعكس فلسفة الشرق في التوازن والجمال، في الوفاء للأسرة، وفي الاحتفاء بدائرة الحياة التي تكتمل كل عام تحت ضوء القمر البهيّ.



