رئيس التحرير

عن ازدواجية ترمب والتصويب على فنزويلا بينما يُمنَح نتنياهو شيكًا مفتوحًا للإبادة

Listen to this article

رئبس التحرير يكتب

في عالمٍ يُفترض أن تحكمه المواثيق الدولية، يُطلّ علينا مشهدٌ أكثر انكشافًا مما يليق بدولة تدّعي قيادة النظام العالمي. خبراء مستقلّون تابعون لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة يصفون الضربات الأميركية في المياه الدولية ضد أهداف مرتبطة بفنزويلا بأنها «إعدامات خارج إطار القانون» وانتهاك صريح لحقوق الإنسان وقانون البحار.
هذا ليس توصيفًا عابرًا، بل اتهام مباشر لقوّة كبرى تمارس تصرّفات دولة مارقة، تتصرف خارج القانون وتستبيح أعالي البحار كما لو كانت ملكية خاصة.

ولكن، ماذا نتوقع من إدارة رفعت شعار القوة فوق القانون، واعتبرت أنّ مصالحها تبرّر سحق سيادة الدول الصغيرة؟

ازدواجية أخلاقية أم وقاحة استراتيجية؟

إذا كانت الضربات الأميركية ضد فنزويلا تثير غضب القانونيين، فإنّ المقارنة مع موقف حكومة ترمب تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة تكشف ليس مجرد ازدواجية، بل انهيارًا كاملًا لمنطق العدالة الدولية.

إدارة ترمب التي تصرخ: “نقاتل عصابات المخدرات والإرهاب”، هي نفسها التي قدّمت دعمًا سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا بلا حدود لحكومة نتنياهو، فيما شهد العالم واحدة من أعنف الحملات ضد المدنيين الفلسطينيين في التاريخ الحديث — حصارًا وتجويعًا وقصفًا بلا توقف… وإبادة جماعية تُبَثّ على الهواء.

كيف يستقيم أن تعتبر واشنطن زورقًا فنزويليًا تهديدًا للأمن العالمي، بينما تبرّر مئات الغارات التي تسقط فوق رؤوس آلاف الأطفال في غزة؟

كيف تصبح سيادة فنزويلا شأنًا هامشيًا عندما يتعلق الأمر بعمليات عسكرية أميركية، بينما تُمنح إسرائيل مطلق الحرية لنسف القانون الدولي من جذوره؟

ترمب… وتسييس القانون كما يشتهي

المفارقة الصارخة أن الرئيس الأميركي السابق يعيد إنتاج خطاب الإدارة الأميركية في أسوأ لحظاتها — خطاب يقوم على تصنيف العالم إلى “أصدقاء محصّنِين من النقد” و”خصوم مباحي السيادة”.

  • فنزويلا: “ديكتاتورية يجب محاصرتها”.
  • إسرائيل: “حليف مقدّس مهما فعل”.

بينما ضحايا غزة يُختزلون إلى “أضرار جانبية”، وتُمحى إنسانيتهم من الحسابات الاستراتيجية، يتم تصوير أي مقاومة لفنزويلا كـ”تهديد للأمن القومي الأميركي”.

هكذا ببساطة: حقوق الإنسان تُستدعى فقط عندما تكون أداة سياسية.
أما عندما تكون عائقًا أمام الحليف المفضل، فيتم ابتلاعها في لحظة صمت رسمية مُريبة.

العالم يرى… والتاريخ لا ينسى

ما فعله خبراء الأمم المتحدة هو تذكيرٌ أخلاقي بسيط:
أنّ القانون الدولي ليس لعبة تحت الطلب، وأنّ الضربات الأميركية ضد فنزويلا ليست “حربًا على الجريمة”، بل فصلٌ جديد من فصول الغطرسة العسكرية الأميركية.

لكن الأهم: أن المقارنة مع غزة ليست مجرد تحليل سياسي؛ إنها إدانة تاريخية.

فمن يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان في كاراكاس، بينما يغمض عينيه عن الأطفال الذين يُنتَزعون من تحت الركام في غزة، لا يحمل مشروعًا عالميًا للعدالة… بل مشروعًا شخصيًا للقوة.

وستظل تلك الحقيقة وصمة في جبين كل إدارة ترفع شعار “النظام الدولي” بيد، وتمنح بيد أخرى الضوء الأخضر لصواريخ تمحو شعبًا بأكمله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى