
تحليل: أشرف أبو عريف
في خطوة تُعدّ من أبرز ملامح الرؤية الجديدة لتنويع مصادر الدخل القومي وتطوير السياحة الدينية في مصر، استعرض الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مقترحاً طموحاً للاستغلال السياحي الأمثل لمسار العائلة المقدسة، بمشاركة نخبة من المستثمرين في القطاع، يتقدمهم رجل الأعمال منير غبور، الذي قدم تصورًا متكاملاً لتطوير هذا المسار التاريخي الفريد.
بين السياحة والتنمية: مشروع يحمل دلالات متعددة
لا يمكن التعامل مع هذا المشروع باعتباره مجرد خطة استثمارية تقليدية؛ فالمسار يربط بين البُعد الروحي العميق والهوية الحضارية لمصر، وبين الرغبة في تحفيز النمو الاقتصادي من خلال نموذج مستدام للسياحة الدينية. المشروع ينطوي على مفاهيم أعمق تتعلق بتفعيل “قوة مصر الناعمة”، واستثمار التاريخ المسيحي كجسر حوار ثقافي وإنساني مع العالم.
المقترح يقوم على تطوير شامل للبنية التحتية في النقاط التي مرّت بها العائلة المقدسة، ويشمل إقامة فنادق، ومراكز خدمات، وتجهيزات حديثة تعزز تجربة الزائر وتمنحه تواصلاً حقيقياً مع الروحانية الكامنة في هذه الأماكن، التي تمتد من سيناء إلى أسيوط مروراً بالقاهرة والدلتا.
دور القطاع الخاص: نموذج للتمويل الوطني المستقل
من النقاط اللافتة في المشروع أنه سيتم بتمويل ذاتي بالكامل، حيث أُعلن عن تأسيس شركة برأسمال 5 مليارات جنيه لتنفيذ الرؤية على مراحل. هذه الخطوة تعكس وعياً متقدماً بأهمية تحفيز القطاع الخاص للمشاركة الفعالة في التنمية السياحية، دون تحميل ميزانية الدولة أعباء إضافية.
كما أن المشروع يُعدّ نموذجًا يُحتذى به في الشراكة بين الحكومة والمستثمرين الوطنيين، في ظل بيئة تشريعية وبيروقراطية أكثر دعماً للاستثمار مقارنة بالسنوات الماضية.
السياحة الدينية: سوق عالمي واعد ومصر في الصدارة المحتملة
تشير الإحصاءات الدولية إلى أن السياحة الدينية تستقطب ملايين الزوار سنويًا، لا سيما من أوروبا وأمريكا اللاتينية وروسيا. ومصر، بما تمتلكه من مسار العائلة المقدسة، تمتلك ميزة تنافسية لا تضاهيها دولة أخرى، حيث أن هذه الرحلة المقدسة موثقة إنجيليًا وتاريخيًا، ما يمنحها مصداقية روحية كبيرة في نظر الزوار المسيحيين حول العالم.
وبتنفيذ هذا المشروع، يمكن لمصر أن تتحول إلى مركز عالمي للسياحة الدينية المسيحية، على غرار ما تمثله السعودية في السياحة الدينية الإسلامية، أو الفاتيكان بالنسبة للكاثوليك.
رؤية متكاملة: ليس فقط دينياً بل حضارياً وتنموياً
التنمية السياحية لمسار العائلة المقدسة ليست معنية فقط بالجانب الديني، بل تشمل الحفاظ على التراث، تطوير المجتمعات المحلية، وتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية في المناطق المشمولة بالمشروع. كما تسهم في خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتُعيد توزيع التنمية بعيدًا عن المركز إلى الأطراف.
الأهم من ذلك، أن المشروع يحمل بُعداً حضارياً يعزز من صورة مصر العالمية كدولة تحتضن جميع الأديان وتُكرم تراثها الإنساني والديني دون تمييز، في وقت تتعرض فيه المنطقة لاستقطابات وصراعات طائفية.
خاتمة: نحو اقتصاد روحي–سياحي متوازن
يمثل هذا المشروع خطوة استراتيجية نحو بناء اقتصاد جديد قائم على القيم والتراث والانفتاح الثقافي. وإذا ما تم تنفيذه وفق رؤية متكاملة تضمن جودة الخدمة واحترام الطابع الروحي للمكان، فإن مصر ستكون على موعد مع عصر جديد من السياحة الروحية التي تُغني اقتصادها، وتُثري مكانتها الحضارية على الساحة الدولية.



