
بقلم:
السفير خالد البقلي، مساعد وزير الخارجية للشؤون متعددة الأطراف والأمن الدولي
إلينا بانوفا، المُنسقة المُقيمة للأمم المتحدة في مصر
تُحيي الأمم المتحدة هذا العام الذكرى السنوية الثمانين لإنشاء المنظمة الدولية، وفي قلبها عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، التي تتفرد بكونها أحد أبرز وأقوى تجليات التعاون الدولي متعدد الأطراف.
فأكثر من 76 ألفًا من المدنيين والعسكريين والشرطيين يشاركون حاليًا في 11 بعثة حول العالم، من قبرص إلى لبنان، ومن جمهورية أفريقيا الوسطى إلى جنوب السودان والكونغو الديمقراطية.
ومع ذلك، فإن الضغوط المتنامية تُحتّم إعادة التفكير في دور عمليات حفظ السلام. وكما أشار الرئيس عبد الفتاح السيسي، فإن “حفظ السلام لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره الوسيلة الوحيدة لصون السلام”، بل يجب أن يكون مكملًا لـ الدبلوماسية الوقائية، والوساطة، وبناء السلام.
موضوع احتفال هذا العام، “مستقبل حفظ السلام”، يأتي في توقيت حرج، حيث أصبحت الصراعات أطول، وأكثر دموية، وأكثر تعقيدًا، مع تهديدات جديدة مثل الإرهاب، الجريمة المنظمة، الحرب السيبرانية، وتغير المناخ.
وقد أوضح الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أن هناك “نقصًا في الثقة… داخل الدول والأقاليم، وفيما بينها”، مشيرًا إلى الفجوة المتزايدة بين المهام والموارد المتاحة للبعثات، مما يقوّض فعاليتها.
لكن ميثاق المستقبل، الذي اعتمدته قمة المستقبل في 2024، يُعد لحظة مراجعة وفرصة في آن، مؤكدا أهمية الإرادة السياسية، والاستراتيجيات الشاملة، والتمويل الكافي والمستدام لدعم بعثات حفظ السلام.
وقد جاءت مصر – التي تحتفل بمرور 65 عامًا على مشاركتها الفعالة في عمليات حفظ السلام – في طليعة الدول الداعمة، إذ نشرت أكثر من 30 ألفًا من حفظة السلام في 37 مهمة عبر 24 دولة. واليوم، تنشر مصر 1205 من حفظة السلام، بينهم نساء، في خمس بعثات داخل إفريقيا.
ويُعد مركز القاهرة الدولي لتسوية النزاعات وحفظ وبناء السلام من مراكز التميز الأفريقية، يعزز الشراكات الإقليمية، ويعمل على الوقاية، حماية المدنيين، وزيادة مشاركة المرأة، ضمن أجندة المرأة والسلام والأمن.
وفي السياق نفسه، كانت مصر من أوائل الداعمين لمبادرة “العمل من أجل السلام” (A4P)، وأسهمت في “خارطة القاهرة لعمليات حفظ السلام” التي اعتمدها الاتحاد الأفريقي في 2020.
وفي هذا العام، وبينما نُحيي أرواح 4430 من حفظة السلام الذين استشهدوا، من بينهم أكثر من 60 مصريًا، نُجدّد العهد الأخلاقي والعملي بعدم تركهم دون وسائل التمكين اللازمة.
وقد أعادت مصر تأكيد التزامها في مؤتمر برلين الوزاري لحفظ السلام – مايو 2025، معلنةً خططًا لتعزيز القدرات، وتدريب الضباط، واستخدام التكنولوجيا الحديثة، وتحقيق تفوق في مشاركة المرأة.
وفي ظل أزمات إقليمية متشعبة، تظل مصر شريكًا مستقرًا يمكن الاعتماد عليه في دعم السلم والأمن الدوليين، ومستعدة للمساهمة في مبادرة الأمم المتحدة 80، بل واستضافة الوكالات والمكاتب الأممية في إطارها.
ويمثل الموقع الاستراتيجي لمصر – بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وقربها من مناطق النزاع، واتصالها بـ البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس – ميزة حيوية في جهود الدبلوماسية والاستجابة للأزمات والمساعدات الإنسانية.
ختامًا، وكما قال الأمين العام، فإن العالم بحاجة إلى الأمم المتحدة أكثر من أي وقت مضى، كما أن الأمم المتحدة بحاجة إلى تمكين حفظة السلام، ليظلوا قوة لا غنى عنها من أجل الأمل والاستقرار. وتبقى مصر في صدارة الدول التي تقدم هذا الدعم، بالتعاون مع الأمم المتحدة.



