
بقلم: السفير صالح موطلو شن
سفير جمهورية تركيا لدى جمهورية مصر العربية
ليست الكلمات وحدها من تعبّر عن الروح، بل أحيانًا تنطق بها القلوب قبل الألسنة. وعندما قلتُ “مصر.. وطن نعيش فيه ويعيش فينا”، لم تكن مجرد عبارة دبلوماسية، بل تجسيدًا لعلاقة أعمق مما قد تصفه المعاهدات أو تترجمه الاتفاقيات.
منذ لحظة وصولي إلى القاهرة، شعرت أنني في وطنٍ ليس غريبًا عني، وطن يتقاطع فيه التاريخ التركي والمصري في كل زقاق ومئذنة ودفء بشري. مصر ليست فقط بلدًا استضفنا فيه علاقاتنا الثنائية، بل هي امتداد طبيعي لروح شرقنا المشترك، حيث تلتقي ضفاف النيل بالبوسفور، وتتمازج المآذن العثمانية بالنقوش المملوكية، والمقامات الصوفية بالأهازيج الشعبية التي تتشابه بين الإسكندرية وأنقرة.
https://youtu.be/D7Ga5jHXk4w?si=iOHQ_0_77yLpn84I
علاقات تتجاوز السياسة
العلاقات بين تركيا ومصر لا تُقاس فقط بحجم التجارة أو عدد الوفود، بل بمسارات التاريخ الذي خطّته الحضارتان سويًا. نحن لسنا ضيوفًا في مصر، بل شركاء في ثقافة وهوية أوسع، تتجذر في عمق الجغرافيا والتاريخ، وتزهر في الحاضر عندما يلتقي طلاب من البلدين، أو تتعاون مصانع تركية ومصرية، أو حين تتآلف الأرواح في مائدة إفطار رمضانية أو مهرجان موسيقي.
الإنسان أولًا
ربما يظن البعض أن عمل السفراء ينحصر في التفاوض والبيانات الرسمية، لكن الحقيقة التي تعلمتها هنا أن الديبلوماسية تبدأ من البشر. حين يبتسم لك طفل مصري في الشارع، أو تُفتح لك أبواب البيوت بدون دعوة، تدرك أن هذا البلد لا يحتضنك سياسيًا فقط، بل إنسانيًا أيضًا.
نحو مستقبل مشترك
اليوم، ونحن نكتب فصلًا جديدًا في العلاقات التركية–المصرية، تتفتح أمامنا آفاقٌ للتعاون في الطاقة، والسياحة، والتعليم، والتكنولوجيا، والتنمية المستدامة. هناك رغبة حقيقية من قيادتي البلدين في بناء جسور أكثر عمقًا وشمولًا، لا تنظر فقط إلى المصالح، بل إلى المصير المشترك.
ولأننا نعيش في مصر، ومصر تعيش فينا، فإن مسؤوليتنا كسفراء وشعوب، أن نرعى هذا الودّ ونحميه، ونتركه ينمو كما ينمو النيل على ضفتيه: في صمتٍ، لكن بإصرار.



