بقلم: د. حذامي محجوب
لم تعد خدمة الحجاج والمعتمرين في المملكة العربية السعودية مجرّد واجب ديني أو التزام مؤسسي، بل أصبحت ثقافة وطنية أصيلة تنبض بها مفاصل الدولة، وتترجمها إلى مبادرات نوعية تعبّر عن روح العطاء، وتمنح ضيوف الرحمن تجربة إنسانية وروحانية لا تُنسى.
وفي مكة المكرمة، المدينة التي تسكن القلوب قبل الأقدام، تتجلّى هذه الرعاية في أبهى صورها. ليس فقط من خلال التنظيم المتقن لمواسم الحج، بل عبر مشاريع ثقافية ومعرفية تُضيف إلى البعد الروحي أبعاداً فكرية وتاريخية.
ويأتي “حي حراء الثقافي” في مقدمة هذه المبادرات، حيث حوّل سفح جبل النور إلى محطة استثنائية تستحضر لحظة مفصلية في تاريخ البشرية: نزول الوحي على النبي محمد ﷺ في غار حراء.
ورغم وعورة الطريق إلى الغار، لا تزال القلوب تهفو إليه، والزوّار يتسابقون للصعود، متلمّسين رهبة اللحظة التي غيّرت مسار العالم.
واليوم، بفضل مشروع “حي حراء”، بات بإمكان الزائرين أن يعيشوا تلك اللحظة من خلال تجربة تفاعلية متكاملة في “معرض الوحي”، حيث تنقلهم تقنيات حديثة بعناية فائقة إلى زمن البعثة، في سرد بصري ومعرفي يوقظ الحواس ويثري الوجدان.
ومن المبادرات اللافتة، تلك الفعالية الإعلامية التي نظمتها الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، بالتعاون مع وزارة الإعلام، ضمن برنامج “إعلام الحج”، مساء السابع من ذي الحجة 1446هـ، والتي جمعت نخبة من ممثلي وكالات الأنباء والقنوات الدولية.
كان اللقاء نموذجاً راقياً للتكامل بين أصالة المملكة وطموحاتها المعاصرة، ورمزاً لـتجربة حضارية متكاملة تسعى المملكة لتقديمها لضيوفها من شتى بقاع الأرض.
وقد استُقبل الحضور بـحفاوة بالغة، وكان على رأس المستقبلين معالي المهندس صالح الرشيد، الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية، الذي أولى أدق التفاصيل اهتماماً خاصاً، إلى جانب وكيل وزارة الإعلام الدكتور خالد الغامدي، الذي تجلّى حضوره بحيوية وترحاب لافتين.
وتستحق فرق وزارة الإعلام، وعلى رأسها الوزير الأستاذ سلمان بن يوسف الدوسري، أسمى عبارات الشكر والتقدير، إذ جسّد اللقاء مستوى رفيعاً من الاحترافية والرؤية المستنيرة التي تولي الإعلام دوراً محورياً في إبراز الوجه الإنساني والحضاري للمملكة.
وقد حرصت فرق هيئة الإذاعة والتلفزيون، بقيادة الدكتور محمد فهد الحارثي، على أن يشعر الضيوف بأنهم في وطنهم، حيث تجسدت الروح السعودية الأصيلة في البشاشة والكرم والاستعداد الدائم لخدمة الزائر.
وقد تركت الزيارة أصداءً عميقة في نفوس الوفود المشاركة، الذين عبّروا عن إعجابهم بـالمحتوى الثقافي والمعرفي الغني، والتقنيات الحديثة التي تجسّد السيرة النبوية وتبرز الأبعاد التاريخية والروحية لمكة المكرمة.
واختتمت الفعالية بـعشاء فاخر في أروقة حي حراء، حيث برزت ملامح الضيافة السعودية في أدق تفاصيلها. لم تكن مجرد مائدة طعام، بل لحظة احتفاء بالكلمة، وتكريم للصورة، ولقاء بين ثقافات متعددة، اجتمعت على أرض الطهر، في تجلٍ عملي لرؤية المملكة 2030، التي لا تسعى فقط إلى تطوير البنية التحتية، بل إلى صناعة تجربة روحية وثقافية متكاملة.
لقد نجحت المملكة في تحويل خدمة الحجاج والمعتمرين إلى رسالة حضارية عابرة للزمن والجغرافيا، حيث تنطق كل تفصيلة، وكل مشروع، وكل لقاء، برسالة واحدة:
“أنتم في بلد الحرمين، وقلوبنا قبل أبوابنا مشرعة لكم.”
وكانت مشاعر الزائرين قبل أداء المناسك تنطق دون كلمات: مزيج من التأثر والرهبة والفرح، وكأن أرواحهم بدأت الطواف قبل أجسادهم. عيون تبرق بالشوق، وقلوب تخفق بالدعاء، ونفوس تستعد لاستقبال أيام كأنها من نور.
في هذا اللقاء، تلاقت الرسالة السماوية بالحفاوة الأرضية، وتجسدت المملكة ليس فقط كمكانٍ للعبادة، بل كحضارةٍ تستضيف الأرواح وتضيء لها الطريق نحو السكينة.



