إقتصادسلايدر

نحو مستقبل مستدام: كيف تُحوّل أوزبكستان إصلاحات الطاقة إلى مكاسب اقتصادية وبيئية

Listen to this article

تقرير: أشرف أبو عريف

تُواصل أوزبكستان تحويل قطاع الطاقة من خلال تحديث البنية التحتية، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتطبيق آليات تسعير قائمة على السوق. فمنذ عام 2017، أضافت البلاد أكثر من 11,000 ميغاواط من القدرة الإنتاجية الجديدة، وحسّنت جودة الإمداد في آلاف المستوطنات، وساهمت في تبني ملايين الأسر لتقنيات ترشيد استهلاك الطاقة. ومع اعتماد الطاقة الشمسية وإصلاح التعرفة، باتت البلاد أكثر كفاءة في الاستهلاك، وقللت من الانبعاثات، وحققت عوائد اقتصادية ملموسة. وتُثبت هذه الإصلاحات الجريئة أن أوزبكستان تسير بخطى ثابتة نحو نموذج طاقة مستدام وجاهز للمستقبل.


تحوّل قطاع الطاقة في أوزبكستان: انتقال تدريجي نحو آليات السوق

منذ عام 2017، أطلقت أوزبكستان إصلاحات واسعة النطاق في قطاع الطاقة، هدفت إلى تحسين الكفاءة وتحديث البنية التحتية القديمة، مع إدخال أنظمة قائمة على السوق. وخلال الفترة بين 2017 و2024، تم اعتماد 8 قوانين وأكثر من 90 قرارًا رئاسيًا ووزاريًا، أرست الأساس القانوني والتنظيمي لهذا التحول الكبير.

ارتفع إنتاج الكهرباء بنسبة 38%، من 59 مليار ك.و.س عام 2016 إلى 81.5 مليار ك.و.س في عام 2024. كما زاد نصيب الفرد من الكهرباء بنسبة 18%، ليصل إلى 2,200 ك.و.س. وخلال هذه الفترة، تم تدشين 11,000 ميغاواط من القدرة الإنتاجية الجديدة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف ما تم تركيبه خلال الـ 25 سنة السابقة.

ورغم النمو الاقتصادي القوي، انخفض استهلاك الطاقة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي. ففي الفترة بين 2017 و2024، نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 55%، بينما انخفضت كثافة الطاقة بنسبة 7.4%. وأصبحت البلاد تنتج قيمة اقتصادية أعلى باستخدام طاقة أقل، إذ يبلغ الاستهلاك حاليًا 56.8 ك.و.س لكل مليون سوم من القيمة المضافة.

وشملت التحديثات البنية التحتية أيضًا، إذ تم تجديد أكثر من 54,800 كلم من شبكات التوزيع و17,200 محطة تحويل، مما حسّن الإمداد الكهربائي لأكثر من 8,000 مستوطنة. وللمقارنة، تم تحديث 9,300 كلم فقط من الخطوط و4,800 محطة بين عامي 1991 و2016.

الطاقة المتجددة في قلب الاستراتيجية الوطنية

باتت الطاقة المتجددة عنصرًا أساسيًا في مستقبل أوزبكستان. ففي نهاية عام 2024، دخلت 14 محطة شمسية و3 محطات رياح الخدمة في 10 مناطق مختلفة، بإجمالي قدرة إنتاجية بلغت 4,100 ميغاواط. وبلغ إنتاج الكهرباء الخضراء في ذلك العام 4.9 مليار ك.و.س.

تحرير التعرفة وتعزيز ترشيد الاستهلاك

أحد الإنجازات البارزة في عام 2024 كان تحرير تعرفة الكهرباء وإدخال مبدأ “الاستهلاك الاجتماعي” كخطوة لتعزيز آليات السوق وجذب الاستثمارات. وقيّمت دراسة شاملة أجراها مركز البحوث الاقتصادية والإصلاحات (CERR) هذا التوجه من خلال استطلاع شمل 3,516 أسرة، بالإضافة إلى تحليل بيانات استهلاك من 3.5 مليون مشترك في الغاز و8 ملايين مشترك في الكهرباء.

وأظهرت النتائج أنه بين مايو وديسمبر 2024، انخفض استهلاك الكهرباء بنسبة 10.6% مقارنة بنفس الفترة في عام 2023، ما يمثل توفيرًا بنحو 1.3 مليار ك.و.س.

كما انخفض عدد الأسر التي تستهلك أكثر من 10,000 ك.و.س شهريًا من 80,000 في 2023 إلى 15,000 فقط في 2024.

في المقابل، حافظ معظم المواطنين على استهلاكهم المعتاد؛ إذ استقرّت نسبة المشتركين الذين يستهلكون حتى 200 ك.و.س شهريًا عند 71% في 2023 و72% في 2024. وسُجلت اتجاهات مشابهة في استهلاك الغاز الطبيعي، حيث بلغت نسبة من استهلكوا حتى 500 متر مكعب 58% في 2024 مقارنة بـ 54% في 2023.

وشهدت مناطق مثل سمرقند وطشقند وأنديجان ونمنغان، المعروفة بالاستهلاك المرتفع سابقًا، أبرز معدلات التخفيض، مما يشير إلى ترشيد ملحوظ في الاستخدام.

تحسين جودة الإمداد ورضا المواطنين

تحسنت جودة الخدمات بشكل كبير. وأفاد نحو نصف المشاركين في الدراسة بتحسن الإمدادات من الكهرباء والغاز والغاز المسال.

  • الكهرباء: 47% لاحظوا تحسنًا، خاصة في سورخانداريا (78%)، سرداريا (70%)، ونمنغان (67%).
  • الغاز الطبيعي: 39% أشاروا لتحسن الوصول، وبلغت النسبة الأعلى في خوارزم وسورخانداريا (68%)، وجيزاك (60%).
  • الغاز المسال: 45% أشاروا لتحسن التوفر، خصوصًا في سرداريا (73%)، سورخانداريا (62%)، ونمنغان (59%).

كفاءة الطاقة على مستوى الأُسر وتبني الطاقة الشمسية

أكثر من 90% من الأسر نفذت إجراءً واحدًا على الأقل لتقليل التكاليف:

  • الإضاءة LED: اعتمدها 87%، وتجاوزت النسبة 90% في جمهوريات كاراكالباكستان وخوارزم ونواوي وطشقند.
  • عزل الأبواب والنوافذ: قامت به 44%، أعلى نسبة كانت في قشقاداريا (84%)، وبخارى (69%)، وخوارزم (54%).
  • شراء أجهزة كفؤة: 31% من الأسر، بأعلى نسب في جيزاك (60%)، نواوي (59%)، وكاراكالباكستان (54%).

في مجال الطاقة الشمسية، قامت 64,000 أسرة بتركيب ألواح شمسية بقدرة إجمالية 223.4 ميغاواط، تنتج سنويًا حوالي 313 مليون ك.و.س، ما يعادل توفير 104 ملايين متر مكعب من الغاز الطبيعي.

وأعرب أكثر من نصف هذه الأسر عن رضاها واستعدادها لتوسيع قدرتها. ويُقدّر الطلب الكامن على الألواح الشمسية بنحو 1.9 مليون أسرة، ما يمثل سوقًا محلية تتجاوز قيمتها 2.3 مليار دولار.

ورغم ذلك، لا يزال جزء كبير من الاستهلاك يعتمد على مصادر تقليدية غير فعالة كالمواقد القديمة، ما يبرز الحاجة إلى تحديث البنية السكنية وتوفير حوافز للتكنولوجيا الحديثة.

مبانٍ خضراء وتأثيرات اقتصادية وبيئية

يمثل تحديث الأبنية السكنية والعامة فرصة لتوفير الطاقة. يُمكن توفير أكثر من 60 مليون دولار سنويًا عبر عزل الواجهات، تحديث أنظمة التدفئة، واستبدال النوافذ القديمة.

وتقدّر مجموعة البنك الدولي أن تحديث الأبنية العامة (كالمدارس والمستشفيات) قد يقلل الاستهلاك بنسبة 20%–50% ويوفر حتى 7.1 مليار ك.و.س سنويًا.

بيئيًا، من شأن هذه الخطوات تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بما يصل إلى 780 ألف طن سنويًا. وأوزبكستان بالفعل جزء من سوق الكربون العالمي وتُحقق عوائد من بيع الحصص الفائضة. ومع زيادة كفاءة الطاقة، يمكن أن تصل العائدات السنوية من هذه السوق إلى 50 مليون دولار.


الخاتمة: بناء نظام طاقة فعال ومستدام

تحوّل الطاقة في أوزبكستان ليس مجرد تحديث تقني، بل استراتيجية شاملة للنمو الاقتصادي والعدالة البيئية. ومن خلال التحديث، والكفاءة، والاعتماد على آليات السوق، تضع أوزبكستان نفسها في طليعة الدول الإقليمية التي تجمع بين التقدم الاقتصادي والاستدامة المناخية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى