رئيس التحريرسلايدر

عَينٌ على خطاب ميرضيائيف في منتدى طشقند 2025 — أوزبكستان تتقدّم بثقة نحو العالمية

Listen to this article

رئبس التحرير يكتب

في كلمته الافتتاحية بمنتدى طشقند الدولي الرابع للاستثمار، رسم الرئيس شوكت ميرضيائيف ملامح رؤية طموحة تجعل من أوزبكستان لاعباً دولياً صاعداً، يتبنّى سياسات اقتصادية منفتحة، ويتخذ مواقف دبلوماسية أكثر جرأة، ويعمل على تحويل البلاد إلى مركز جذب إقليمي ودولي للاستثمار والتكنولوجيا والطاقة المتجددة.

دبلوماسية جريئة وموقف أخلاقي واضح

من اللافت أن الخطاب بدأ بلغة دبلوماسية واضحة، ولكن غير تقليدية من حيث النبرة، حيث أعرب الرئيس الأوزبكي عن موقفه الحازم تجاه الأزمات العالمية، مؤكدًا أن الحل في أوكرانيا لا يمكن أن يكون إلا دبلوماسيًا، ومدينًا بشكل صريح المأساة الإنسانية في غزة، قائلًا إن “وفاة هذا العدد الكبير من الأبرياء لا يمكن تبريره في القرن الحادي والعشرين”، داعيًا إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وفق القانون الدولي.

هذا الموقف، النادر في سياق الخطاب الرسمي لدول آسيا الوسطى، يعكس تحوّلًا مهمًا في السياسة الخارجية الأوزبكية، التي تسعى إلى لعب دور إنساني وأخلاقي في الملفات الدولية الحساسة، لا سيّما في العالم الإسلامي.

وفي السياق ذاته، شدد الرئيس على ضرورة دعم استقرار وتنمية أفغانستان، داعياً إلى عدم عزل حكومة كابول، بل إشراكها في حوار دولي بنّاء، ما يبرز دور أوزبكستان كجسر استراتيجي في قلب آسيا.

رؤية اقتصادية متكاملة: من التحول الأخضر إلى الثورة الرقمية

طرح ميرضيائيف في خطابه خمسة محاور استراتيجية تمثل الأساس الذي تبني عليه أوزبكستان مستقبلها الاقتصادي:

  1. التحول إلى الاقتصاد الأخضر
    الرئيس تحدث عن استثمارات تجاوزت 6 مليارات دولار في الطاقة المتجددة، مع طموح لبلوغ 120 مليار كيلواط/ساعة من الإنتاج بحلول عام 2030، وأن تشكّل الطاقة الخضراء 54% من مزيج الطاقة. كما أعلن عن دخول أوزبكستان أسواق الكربون العالمية، وإنشاء منصة “أوزبكستان الخضراء” للاستثمار المناخي.
  2. الرقمنة والذكاء الاصطناعي
    أشار إلى أن صادرات تكنولوجيا المعلومات ستصل إلى مليار دولار هذا العام، مع خطة لمضاعفتها خمس مرات بحلول 2030. مشروع “مليون قائد في الذكاء الاصطناعي” يهدف إلى إعداد جيل تقني يعزز مكانة البلاد كمركز رقمي في المنطقة.
  3. إصلاح النظام المالي
    تم الإعلان عن تأسيس مجلس الاستقرار المالي ومنصات للأمن السيبراني والتمويل الرقمي، بالإضافة إلى إطلاق أول شركة إعادة تأمين وطنية ومنصة رقمية عالمية في هذا المجال. الأبرز هو السعي إلى مضاعفة الاستثمارات في رأس المال المخاطر إلى مليار دولار خلال خمس سنوات.
  4. المعادن التكنولوجية وثورة التصنيع
    تمتلك أوزبكستان احتياطيات تقدر بـ3 تريليونات دولار من المعادن الاستراتيجية (كالليثيوم، والتيتانيوم، والفاناديوم). المبادرة الجديدة بإنشاء “مدن تكنولوجية للمعادن المستقبلية” في طشقند وسمرقند، مع إعفاء ضريبي للمستثمرين في دورات الإنتاج الكاملة، تعكس توجهاً نحو التصنيع المحلي عالي القيمة.
  5. الخصخصة والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية
    أعلن ميرضيائيف أن بلاده تهدف إلى الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية العام المقبل، بعد مواءمة عشرات القوانين والمواصفات مع المعايير الدولية. كما أعلن عن تأسيس “صندوق الاستثمار الوطني” بقيمة ملياري دولار، تُديره شركة فرانكلين تمبلتون العالمية، مع خطط لطرح الصندوق في اكتتاب دولي.

محورية آسيا الوسطى: من حدود جغرافية إلى منطقة استثمار متكاملة

استغل الرئيس المنصة ليعيد تأطير آسيا الوسطى كمنطقة استثمار واعدة، وليست مجرد جغرافيا محصورة بين القوى الكبرى. حضور رؤساء حكومات من ست دول مجاورة، وإطلاق مشروعات إقليمية ضخمة مثل سكة حديد الصين–قرغيزستان–أوزبكستان، يعكس ديناميكية جديدة في التعاون الإقليمي.

واقترح ميرضيائيف “مفهوم المنطقة المتكاملة للاستثمار والتجارة في آسيا الوسطى”، داعيًا المنظمات المالية الدولية إلى توفير آليات جديدة لدعم المشاريع العابرة للحدود في المنطقة.

إعادة تعريف الاستثمار: التنمية الشاملة لا الربح فقط

في خاتمة خطابه، شدد ميرضيائيف على أن الاستثمار لا يقتصر على رأس المال، بل يشمل المعرفة، والتكنولوجيا، وبناء القدرات البشرية. ووعد بتوفير كافة التسهيلات والحماية القانونية للمستثمرين الأجانب، تحت شعار: “أوزبكستان الجديدة — بلد الفرص الكبرى”.

خلاصة

جاء خطاب الرئيس الأوزبكي متوازنًا بين الطموح الداخلي والمواقف الخارجية، بين الاقتصاد والدبلوماسية، بين البيئة والتكنولوجيا. إنه خطاب دولة تسعى لأن تكون فاعلًا ناضجًا في النظام الدولي، تسلك طريق الشراكة والفرص لا المغامرة، وترسم لنفسها مكانًا في مستقبل ما بعد الطاقة التقليدية وما بعد الأحادية القطبية.

أوزبكستان لم تعد مجرد بلد عبور، بل تطرح نفسها كوجهة — للرساميل، وللأفكار، وللشراكة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى