سلايدرسياسة

إيران والصراع المفتوح: ما بين صمود الداخل وتواطؤ الخارج

Listen to this article

بقلم: د. أحمد مصطفى

في مشهد مضطرب من التصعيد العسكري والمواجهة الإعلامية والسياسية، تقف إيران اليوم عند مفترق طرق يختبر صلابة سيادتها، وقوة حضورها الإقليمي، ومتانة نسيجها الداخلي، وسط استهداف مكثف من قِبَل الكيان الإسرائيلي وداعميه الغربيين. في هذا السياق، تتداخل ثلاث ساحات: ساحة النار، وساحة الكلمة، وساحة التحالفات. وتتجلّى في قلب هذا الصراع شخصية تُجسّد بعمق التحدي النسوي في لحظة اشتعال كبرى: سحر إمامي.

سحر إمامي: المرأة التي واجهت القصف بالكلمة

لم تكن سحر إمامي، المذيعة الإيرانية البارزة على قناة “خبر نيوز”، مجرد صوت إعلامي في لحظة أزمة، بل رمزًا لصلابة المرأة الإيرانية المسلمة، وهي تُواصل تقديم الأخبار بثبات أثناء الهجوم على مقر القناة في 16 يونيو 2025. بينما تهاوت الجدران وتردد صدى القصف، بقيت كلماتها ثابتة، تُمثّل الصوت الذي لا يخضع للترهيب. لقد عكست سلوكياتها تلك ما هو أبعد من المهنية الإعلامية؛ بل إرادة شعب اختار الصمود، حيث أصبحت إمامي امتدادًا حيًا لنضال نساء الشرق في وجه الجبروت والاستعلاء الغربي. إنها ليست مجرد مذيعة؛ بل “بطلة الشاشة”، تقف في مصاف النساء الرائدات اللاتي جسّدن قيم الوطنية والتضحية.

العمق الاستراتيجي لإيران: الحصن الذي لا يُخترق بسهولة

غالبًا ما يُساء فهم إيران، سواء جغرافيًا أو استراتيجيًا. فبمساحتها الشاسعة التي تضاهي الجزائر، وموقعها المحوري بين قلب آسيا والشرق الأوسط، يصعب لأي قوة – مهما بلغت – فرض سيطرة شاملة على أجوائها أو اختراق عمقها الداخلي. لكن التحدي يكمن لا في الجغرافيا، بل في الجغرافيا السياسية. إذ تُشير تقارير متعددة إلى تسهيلات عسكرية قدمتها دول مثل الأردن، الهند، العراق، وأذربيجان للقوات الإسرائيلية أو الأنجلوساكسونية، ما يهدد أمن إيران الإقليمي، ويكشف شبكة تعقيدات أمنية تتطلب من طهران التوازن بين القوة الصلبة والدبلوماسية الناعمة.

رافاييل غروسي: الوجه المتحيّز للرقابة النووية الدولية

في قلب هذا التوتر تقف شخصية مثيرة للجدل: رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي تحوّل من مراقب إلى طرف فاعل في الأزمة. تُوجّه لغروسي اتهامات بتسييس تقارير الوكالة، واستهداف إيران بخطاب مزدوج، في مقابل صمت مطبق تجاه الترسانة النووية الإسرائيلية التي لا تخضع لأية رقابة. إن انحيازه المُعلن يُضعف من مصداقية الوكالة، ويُبرز حاجة مُلحّة لإعادة النظر في آليات الرقابة الأممية، حيث لم يعد الحياد مفترضًا، بل مطلبًا حيويًا.

مجموعة السبع: تكتل مترنّح أمام صعود الشرق

تزامنت الأزمة مع قمة مجموعة السبع في كندا، التي لم تُنتج سوى خطاب تقليدي متحامل على إيران، متجاهلة التحولات الكبرى في موازين القوى الدولية. فالدول الغربية باتت غارقة في أزماتها الداخلية، من فضائح القادة إلى تراجع الأداء الاقتصادي، بينما تتقدم مبادرات كـ”الحزام والطريق” وتكتلات الجنوب العالمي لتصوغ نظامًا دوليًا جديدًا. ومقابل ضعف مجموعة السبع، برزت إيران – رغم الحصار والعقوبات – كلاعب إقليمي مستقل، وشريك استراتيجي للصين وروسيا.

الخيارات العسكرية والاقتصادية: هل من حكمة في التصعيد؟

أي محاولة أميركية أو إسرائيلية لتوسيع رقعة الصراع ستُواجه بعواقب كارثية، كما أظهر الهجوم الحوثي على حاملة الطائرات الأميركية “هاري ترومان”، الذي كسر هيبة القوة الجوية. فإيران تمتلك قدرات صاروخية تُهدد القواعد الأميركية في الخليج، ناهيك عن موقعها الجيوسياسي في مضيق هرمز، حيث يمكنها خنق 20% من تجارة النفط العالمية. كما أن أي مغامرة ضدها قد تُشعل تحالفًا مضادًا يضم الصين وروسيا وباكستان وكوريا الشمالية، ما يُنذر بزلزال جيواستراتيجي عالمي.

رفض الهيمنة: عقيدة استراتيجية لا مساومة فيها

لم تُبدِ إيران في أي لحظة استعدادًا للرضوخ، رغم ضغوط العقوبات والعزلة، مُصرّةً على الدفاع عن سيادتها وبرنامجها النووي السلمي. وتستحضر إيران درس ليبيا عام 2002، حينما أدى التنازل عن البرنامج النووي إلى انهيار الدولة بفعل تدخل الناتو. ومن هذا المنطلق، تنتهج طهران سياسة “اقتصاد المقاومة”، وتعتمد على تنويع شركائها، مؤمنة بأن الاستسلام لن يجلب السلام، بل المزيد من الانتهاكات.

الإعلام الخليجي: سردية منحازة في زمن الحروب النفسية

يلعب الإعلام دورًا مركزيًا في إدارة الصراع، وهنا تظهر وسائل إعلام خليجية – كقناة العربية وسكاي نيوز عربية – كأدوات دعائية للخطاب الغربي ضد إيران، مدفوعةً ليس فقط بالتحالف مع الولايات المتحدة، بل أيضًا بالعداوات الطائفية والمنافسات الإقليمية. ويؤدي هذا التحيّز إلى شيطنة طهران وإخفاء حقيقة المشهد، مما يُفرغ الإعلام من وظيفته الأساسية كناقل للحقائق لا كحامل لأجندات.

خاتمة: ما بين سحر إمامي ومضيق هرمز… تتحرك جغرافيا المقاومة

في النهاية، يتجاوز الصراع الإيراني–الإسرائيلي حدود الجغرافيا إلى حدود الإدراك والرمز. فبين امرأة تُقدّم نشرة الأخبار تحت القصف، وشعب يرفض التنازل، ونظام لا يُذعن للهيمنة، تتجلى روح المقاومة في أبهى صورها. سحر إمامي ليست حالة فردية، بل صوت أمة تنطق باسمها. وإيران ليست وحدها في المواجهة، بل في صدارة عالم جديد يُعيد صياغة التوازنات، حيث لا مكان لهيمنة بلا مقاومة، ولا لعدوان بلا تكلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى